fbpx
افتتاحية

صناعة النخب

لا تُصنع النخب السياسية والاقتصادية بضربة عصا سحرية، كما لا يستقيم البحثُ عن الكفاءات بمنطق تجميع السير الذاتية، والتنقيب في القطاعات والمديريات عن “الموجود”، والتدقيق “البعدي” في الشهادات الجامعية و”البروفايلات”!
فما يجري، اليوم، بالأجهزة المكلفة بتنزيل فحوى الخطاب الملكي لعيد العرش، أشبه بوضع العربة أمام الحصان، مع كل احتمالات السقوط في بداية الطريق، في وقت كان من “الطبيعي” أن تكون صناعةُ الكفاءات وتجديدها وتهييئها وإعدادها، صيرورة واعية ودائمة في الزمان، لها أجندتها وميكانيزماتها وضوابطها السوسيولوجية ومعاييرها وقواعدها الصارمة.
فسيكون صعبا على المغاربة استيعاب أن “أم الوزارات” التي كانت مكلفة، عبر عقود، بتحديد خارطة النخب السياسية والاقتصادية والكفاءات وتعقب أثرها في القطاعات العمومية والخاصة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وتنظيم دورات تجديدها وإدماجها، عاجزة عن تقديم “البديل”.
كما سيكون صعبا عليهم أيضا اختزال أدوار وزارة الداخلية في الجانب الإداري والتقني، وتحول أطرها وكفاءاتها إلى “مشرفين” على مكاتب التصويت والانتخابات، أو أعوان لتحرير الملك العمومي من الباعة المتجولين وكتابة تقارير عن عمال النظافة، بدل أن تكون الوزارة قوة دفع لتنظيم المجال السياسي العام، ومراقبة تحرك النخب وتطورها وتجديدها، والأدوار التي يمكن أن تلعبها هذه النخب داخل النسق السياسي والاجتماعي، وقدرتها على اتخاذ القرار وصناعته والتأثير في مجريات الأحداث الكبرى.
ولا نفشي سرا إذا قلنا إن عددا كبيرا من المشاريع التنموية الكبرى بعدد من المدن والمناطق والجهات توجد، اليوم، في وضعية عطالة، فقط لأن آلة النخب توقفت عن إنتاج الخبرات والكفاءات، القادرة على إحداث الرجة المطلوبة وإبداع الحلول الذكية وقيادة فرق العمل وتذليل المشاكل وتقليل نسبة الأخطار والطوارئ، دون ما حاجة كل مرة إلى العودة للمركز.
ويمكن الوقوف أيضا على معضلة النخب في مسارات ولاة وعمال ومديرين مركزيين ومناديب في عدد من الوزارات والقطاعات الحكومية، إذ أفرزت آليات الاختيار والانتقاء نماذج من مسؤولين “لا يهشون ولا ينشون”، وينتظرون صدور الأوامر، وحتى إذا لم تصدر فإنهم هم من يطلبون إصدارها، “تقديسا” لتراتبية إدارية تقتل جميع امكانيات تحقيق الفعالية والنجاعة.
ويسري هذا العجز في تداول النخب وتجديدها، على الأحزاب السياسية أيضا التي تستفيد، سنويا، من إمكانيات مالية مهمة، من أجل التكوين والتكوين المستمر وإعداد الكفاءات وتشكيل حكومات الظل المدربة على تسيير الشأن العام، دون أن تنتج لنا، على مدى سنوات، ما يشفي الغليل، مع استثناءات قليلة.
إن قيادة الدول والتقرير في المصير التنموي للشعوب وتحمل مسؤولية تدبير السياسات العمومية، لا ينبغي أن يُترك للصدفة، أو التقديرات الشخصية والمزاجية والاختيارات الفردية، بالقدر نفسه الذي لا يمكن أن نتيه خلاله عن هوية الأشخاص والكفاءات، الأكثر قدرة من غيرهم على إحداث الفارق في مجتمعاتهم وأوطانهم.
إنه درس خطاب العرش الأخير..
أفلا تستوعبون؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق