fbpx
حوادثمقالات الرأي

بن سلامة: الإكراه البدني والغرامة التهديدية

السائد فقها وقضاء جواز الحكم على الدولة ومرافقها ومؤسساتها (الحلقة الأخيرة)

بقلم: ذ. عبد الرحيم بن سلامة *

يشترط للحكم بالغرامة التهديدية توفر أربعة شروط، وهي
1 – أن يقتضي تنفيذ الالتزام التدخل الشخصي للمدين إيجابا أو سلبا.
2 – أن يتم ذلك عن طريق قيامه بعمل أو امتناع عن عمل.
3 – أن يطلب الدائن الحكم بالغرامة التهديدية.
– 4 عدم وجود وسيلة تنفيذية بديلة للغرامة التهديدية.

فالغرامة التهديدية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لحمل المحكوم عليه عن تنفيذ ما حكم به عليه ما دامت شروط التنفيذ متوفرة لإجباره على التنفيذ، ولا بد من عناصر ثلاثة عند فرض الغرامة التهديدية، وهي: يسر المدين، ومدى تعنته، وما يصيب الدائن من ضرر من جراء تأخير التنفيذ.
وتتميز الغرامة التهديدية عما يشبهها من أوضاع مشابهة، فهي غير التعويض، وهي غير الذعائر القانونية، وهي غير الشرط الجزائي.
غير أن القرار عدد 235 الصادر عن المجلس الأعلى – محكمة النقض – الصادر بتاريخ 11 مارس 1999 قضى بإمكانية المتضرر من عدم تنفيذ الحكم (الأخذ قوة الشيء المقضي به)، أن يطلب تعويضا عن الضرر الذي لحقه من الامتناع عن التنفيذ، بالإضافة إلى الغرامة التهديدية، كما يجوز للقاضي أن يزيد في مقدار الغرامة التهديدية بطلب من الدائن، إذا تبين أن المبلغ المحكوم به كغرامة تهديدية غير كاف لإرهاب المدين أو إرغامه على التنفيذ، كما يمكن للمحكمة التي حكمت بها أن تخفض من قيمتها أو تلغيها نهائيا إذا تبين لها أن المحكوم عليه لم يكن ممتنعا عن تنفيذ الحكم المراد تنفيذه محل الغرامة التهديدية وإنما ظروفا قاهرة جعلته لم ينفذ الحكم.
وأن أي مرجع قضائي بإمكانه الحكم بالغرامة التهديدية سواء كان محكمة ابتدائية أو استئنافية مدنية أو إدارية أو تجارية، أو جنحية تنظر دعوى مدنية تابعة، كما أن قاضي المستعجلات نفسه يكون مختصا للحكم بالغرامة التهديدية.
والغرامة التهديدية يحكم بها على الأشخاص الذاتيين والمعنويين، ويذهب بعض الفقهاء إلى عدم جواز الحكم على الإدارة العمومية بالغرامة التهديدية، إلا أن السائد فقها وقضاء جواز الحكم على الدولة نفسها ومرافقها العمومية ومؤسساتها في شخص رئيس الحكومة، لأن الدولة هي الأولى باحترام التزاماتها واحترام القانون عملا بمقتضى الفصل 126 من الدستور الذي ينص صراحة على أن “الأحكام والقرارات القضائية ملزمة للجميع” سواء كان ذلك شخصا طبيعيا ذاتيا أو أشخاص القانون العام أو أشخاص القانون الخاص، بل أكثر من هذا أن المحاكم الإدارية نهجت نهجا خاصا في أحكامها بالغرامة التهديدية عندما أصدرت أحكاما ترمي إلى شخصنة الغرامة التهديدية منذ 1995، حينما أصدر رئيس المحكمة الإدارية بمكناس بصفته قاضيا للمستعجلات على رئيس المجلس القروي بصفة شخصية بغرامة تهديدية مبلغها (500 درهم) عن كل يوم تأخير نتيجة امتناعه عن تنفيذ الحكم القضائي عدد 18 الصادر بتاريخ 1995/6/1، حائزا لقوة الأمر المقضي به بإرجاع موظف إلى وظيفته، وهناك حالات أخرى لم تقتصر فيها المحاكم الإدارية على الحكم بالغرامة التهديدية على المرافق العمومية ومؤسساتها بل ذهبت أحكامها إلى الحكم بشخصنتها نذكر هنا حالة نلخص وقائعها:
تقدمت طالبة… بمقال استعجالي بتاريخ 3 يونيو 2014 تعرض فيه أنها تشتغل كأستاذة جامعية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة… بعد استيفائها الشروط الضرورية والمدة المطلوبة بطلب الحصول على شهادة التأهيل الجامعي وبعد موافقة عميد الكلية المعنية…. واجتيازها للمباراة وانتهت مناقشة أعمال الطالبة بنجاحها وحصولها على شهادة التأهيل الجامعي بتاريخ 2011/7/5 وبناء عليه تقدمت بطلب تسوية وضعيتها الإدارية إلى عميد الكلية، وقررت اللجنة العلمية بالكلية قبول طلبها، إلا أن رئيس الجامعة رفض عرض الطالبة على اللجنة المختصة، فلجأت إلى المحكمة واستصدرت عنها حكما بتاريخ 2012/12/6 في الملف عدد 12/5/193 قضى بإلغاء القرار المطعون فيه مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية بأداء الجامعة درهما رمزيا وبعد استئناف الحكم صدر قرار قضى بتأييده، وامتنع رئيس الجامعة عن التنفيذ، لذا تلتمس الأمر بتحديد الغرامة التهديدية في شخص الممثل القانوني لجامعة…. في مبلغ 2000 درهم عن كل يوم تأخير عن التنفيذ بعد تصريح دفاع الطالبة مفاده أن موكلته تهدف إلى تحديد غرامة تهديدية في مواجهة رئيس الجامعة بصفة شخصية وليس في مواجهة الجامعة كشخص معنوي، يؤدي هذه الغرامة من ماله الخاص نظرا لشخصنة الامتناع عن التنفيذ، والاجتهاد نفسه سلكته المحكمة الإدارية بالرباط عندما حكمت على وزير الصحة عندما امتنعت وزارته تنفيذ قرار استعجالي بإرجاع موظف إلى عمله، فأصدرت المحكمة قرارا في الملف الاستعجالي عدد2015/7701، بأداء الوزير غرامة تهديدية من ماله الخاص بناء على طلب من المتضرر عن عدم التنفيذ لأن الوزير هو المسؤول عن مرافق وزارته التي تملصت من عدم تنفيذ الحكم الصادر ضدها والدستور ينص صراحة على أن الأحكام والقرارات القضائية ملزمة للجميع.
وتأسيسا عما تقدم، يجدر بنا القول إن الغرامة التهديدية لها أهمية بالغة في تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية التي تصدر عن مختلف محاكم المملكة.
ولكي يستفيد الدائن المحكوم له بالغرامة التهديدية من المبلغ المحكوم به عليه، أن يطلب من المحكمة التي يجري بواسطتها التنفيذ تصفية هذه الغرامة، فيأخذ القاضي بعين الاعتبار المدة الزمنية التي مرت على الامتناع عن التنفيذ ومقدار الضرر اللاحق بالدائن ومدى التعنت من المدين.
وإذا تجاوزت الغرامة التهديدية مدة معينة أو عددا من المرات التي أخل فيها المدين بالالتزام واستخلص الدائن المبلغ المحكوم به، ثم استمر المدين في تعنته، كان من حق الدائن المطالبة من جديد بتصفية الغرامة التهديدية عن مدة الإخلال اللاحقة.
* قاض مستشار بالمجلس الأعلى “محكمة النقض”
أستاذ سابق بالمعهد العالي للقضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى