fbpx
افتتاحية

تواطؤ

تتواطأ حكومة العدالة والتنمية ومركزيات نقابية على تمرير أسوأ قانون في تاريخ المغرب، يجعل من الحق الدستوري في ممارسة الإضراب مجرد سراب، ويحول ملايين الموظفين والعمال والمستخدمين في القطاعات العمومية وشبه العمومية والخاصة إلى عبيد في “ضيعات” مديرين ورؤساء عمل وأرباب مقاولات.
ومرت الوزارة الوصية على التشغيل إلى السرعة القصوى في “التفاوض” مع بعض المركزيات النقابية المستعدة لتقديم قواعدها قربانا في مذبح قانون رجعي وتراجعي، مقابل الاحتفاظ بالامتيازات وأموال الدعم والمنح وعائدات المشاريع والمقرات، التي يهيأ مشروع قانون آخر (قانون النقابات) لنسفها من الأساس.
فما الذي تعده الحكومة للشغيلة المغربية وتوافق عليه بعض المركزيات النقابية؟
بكل بساطة تحويل الحق في الإضراب من أداة ضغط دستورية ومشروعة بيد العاملين للدفاع عن حقوقهم المادية والمعنوية وتحصين مكتسباتهم، إلى “سوط” في يد المشغلين (إدارات عمومية وقطاع خاص) يستعملونه متى يشاؤون حسب مصالحهم.
إن المتأمل للائحة المقترحات والتعديلات التي يقترح حزب العدالة والتنمية إدخالها على النص الأصلي يفاجأ بخطورة المؤامرة التي تحاك ضد الطبقة العاملة بدعم ومساندة من بعض شيوخ النقابات الذين يتناوبون، هذه الأيام، على ميكروفونات المواقع لذرف دموع التماسيح ويظهرون أكثر مما يبطنون.
فتحت يافطة “إقامة توازن بين معادلة تأمين الحق في الإضراب حقا دستوريا وضمان حرية العمل”، سنت الحكومة والنقابات عددا من الإجراءات التي ينتظر المصادقة عليها في غرفتي البرلمان، من قبيل ضرورة الحصول على موافقة أغلبية معينة من العمال، أو على نصاب معين من الأصوات قبل إعلان الإضراب، أو من قبيل تقرير الإضراب بالاقتراع السري وضرورة اتخاذ الإجراءات الضرورية، من أجل احترام تدابير السلامة والوقاية من الحوادث، وإلزامية إقرار حد أدنى من الخدمة في بعض القطاعات وفي بعض الحالات، مع إمكانية منع الإضراب في بعض القطاعات الحيوية.
ومن بين الإجراءات التي ستجهز أيضا على الحق الدستوري المنصوص عليه في جميع الدساتير المغربية منذ 1962، إمكانية منع أو تقييد بعض فئات الموظفين من حق الإضراب، وإمكانية تعليقه في حال وجود أزمة وطنية حادة، وإقرار آليات تعويض من يحرمون من حق الإضراب واحترام حرية العمل، بالنسبة إلى غير المضربين.
والمؤلم أن هذه القنبلة الموقوتة، التي ستزيد حدة التوتر وترهن السلم الاجتماعي سنوات أخرى، تُصنع بحضور بعض ممثلي النقابات الذين بلعوا ألسنتهم.
نقابيون فاسدون عمروا طويلا في مقاعدهم مستعدون للتضحية بكل شيء، مقابل ابتعاد أجهزة المراقبة المالية عن خزانات الملفات والوثائق، وغض الطرف عن تتبع “مسارات” صرف أموال عمومية بملايين الدراهم، تحولت إلى فيلات وقصور وحياة بذخ وأخرى إلى منح للأبناء في الخارج، وبعضها تحول إلى استثمارات في الأشغال العمومية والبناء والقطاع الصناعي والخدمات.
ألم نقل لكم إنه التواطؤ في أبشع صوره؟
تواطؤ ضد وطن برمته، وليس فقط ضد فئات من أبنائه.
تواطؤ بطعم الخيانة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى