fbpx
بانوراما

الأدعية التي اتقى بها العندليب شر الإخوان

الأغنية الدينية… قصص وكواليس 10

يحتل الغناء الديني مكانة هامة في حياة الإنسان، ويكون له تأثيره البالغ في لحظات الصفاء النفسي والسمو الروحي التي تنتاب الإنسان في حياته. واتخذ هذا النوع من الغناء، الذي يعتبره المؤرخون أصل الطرب العربي، أشكالاَ متعددة تؤدى في المناسبات المختلفة وتتنوع صوره وأنماطه، فمنها المدائح النبوية، والمواويل الدينية، والقصص الشعبي الديني، للمناسبات المختلفة والتواشيح الدينية، وأناشيد صلاة العيدين. عبر هذه الحلقات تستعيد “الصباح” أشهر حكايات الأغاني الدينية التي ميزت تاريخ الأغنية العربية خلال الفترة الحديثة والمعاصرة، كما تستحضر جانبا من كواليسها و”أسباب نزولها”.

عزيز المجدوب

لعل المتأمل في المنجز الغنائي للمطرب الراحل عبد الحليم حافظ، ينتبه إلى أن العديد من النقاد الفنيين قسموه تقسيما حادا بين غرضين لا ثالث لهما، هما العاطفي والوطني.
ونادرا ما تطرقت الكتابات النقدية الفنية إلى تجربة العندليب الراحل مع الغناء الديني، خاصة التجربة التي سجل فيها مجموعة مهمة من الأدعية والابتهالات الدينية، التي كشفت جانبا روحيا ومتصوفا خاصا في شخصيته لم يكن يظهره أمام العموم.
في المقابل تحدث بعض المقربين من عبد الحليم عن جوانب خفية من حياته الخاصة وعلاقته بالدين والتدين، منها ما حكاه صديقه الممثل حسن يوسف، الذي جمعته بالمطرب الراحل علاقة صداقة وطيدة سيما خلال مشاركتهما معا في فيلم “الخطايا” سنة 1962.

وحكى يوسف كيف أنه اضطر إلى الإقامة مع عبد الحليم لأزيد من أسبوع في شقته، بدعوة خاصة منه، حتى يقتربا من بعضهما أكثر ويمكنهما ذلك من تجسيد دور الأخوين كما اقتضت ذلك قصة الفيلم. وهنا يقول الممثل المصري أن الأيام التي قضاها مع العندليب كشفت له جانبا خاصا في شخصيته يتعلق بنزعته المحافظة وحرصه على القيام بواجباته الدينية بكل دقة، فضلا عن حرصه على الاستماع إلى القرآن والتأمل في معانيه وأساليب تجويده، وهو ما انعكس إيجابا على علاقته بنفسه وبالناس.
وتحدث مقربون عن “روحانيات” عبد الحليم الصوفية التي حملها طيلة حياته وسكنته وتجلت في بعض المواقف، منها صلته بالإمام الحسين، إذ كان يلجأ إلى مقامه في الليالي التي تصبح فيها آلامه لا تطاق، فيظل إلى جوار المقام يدعو ويبتهل إلى مطلع الفجر.

كما تحدث آخرون عن صلاة عبد الحليم داخل الكعبة ومساعدته العاملين فيها على غسلها من الداخل، أشهرا قليلة قبيل وفاته، وعن الشيخ المقرئ محمد درويش الذي اعتاد العندليب استضافته مرتين في الأسبوع، بانتظام لأزيد من عشر سنوات، كل هذا بالموازاة مع الصورة التي ترسخت لدى الناس من أنه معبود الجماهير ومعشوق النساء والفتيات، ورمز للمطرب العاطفي، إلا أنه كان يحتفظ لنفسه بهذا البعد الروحاني الذي لم يكن يتكشف إلا لماما.

في نهاية الستينات تعرض العندليب الراحل لهجمات شرسة من قبل التيار الإخواني بمصر، وخطبائه منهم الشيخ كشك، بسبب ما ورد في بعض أغانيه من مقاطع اعتبروها رفضا للقضاء والقدر، منها أغنية “لست أدري” المأخوذة من قصيدة “الطلاسم” للشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي، التي يقول فيها “جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت” أو مقطع أغنية “على حسب وداد” التي يقول فيها “لا ح اسلم بالمكتوب ولا ح ارضى أبات مغلوب” أو في أغنية “لست قلبي” حين يقول “قدر أحمق الخطى”.

وكان الرد بشكل غير مباشر، من خلال تسجيله لسلسلة أدعية دينية تعامل فيها مع الشاعر الغنائي عبد الفتاح مصطفى، بلغت إحدى عشر دعاء وابتهالا خاصة أن مؤلفها كتبها بطريقة تجمع تلك الأدعية في روح واحد ومقام واحد وشكل موحد، تبدأ بعبارة “يا رب” وتختتم بجملة “يا رب سبحانك”.
وحملت الأدعية عناوين مختلفة منها “أدعوك يا سامع دعايا” و”أنا من تراب” و”بيني وبين الناس في دنيتك أحوال” و”الحبة في الأرض تجعلها شجر وغصون” و”خليني كلمة تصحّي الناس وتهديها” و”بين صحبة الورد” و”يا خالق الزهرة في حضن الجبل” ثم رائعة “ع التوتة والساقية” التي اعتبرت من أقوى هذه الأدعية وأكثرها شجنا وتأثيرا.

إبداع

قرر عبد الحليم غناء الأدعية كاملة، ودفع بها إلى الموسيقار محمد الموجي ليلحنها، فاختار لها قالبا لحنيا ثابتا تتغير فيه الكلمات وحدها، ومنح لعازف الناي محمود عفت مساحة كبيرة لعزف مقاطع منفردة أبدع فيها ومنح الأدعية طابعا صوفيا أخاذا.
وأنتج عبد الحليم الأدعية على حسابه من خلال شركة “صوت الفن” وسجلها رفقة الفرقة الماسية، ومنحها للإذاعة المصرية مجانا، قبل أن يقررالتلفزيون المصري سنوات بعد وفاته إعادة تصويرها، بلقطات من الطبيعة تناسب جو الدعاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى