fbpx
بانوراما

استقلال واغتيالات

رفقة السلاح والهودج 5
حلقات المقاوم الصحراوي مولاي أحمد الباز، دليل قاطع على أن الصراع في الصحراء مفتعل. فجميع الصحراويين ومن كل القبائل بايعوا سلاطين المغرب، وانتشروا بالمدن المغربية منذ قرون وترعرعوا فيها وأنجبوا أبناءهم وأنجزوا هويات ووثائق مغربية، وعند دخول الاستعمار، حملوا السلاح ضد الاستعمار الفرنسي وضحوا بالغالي والنفيس من أجل استقلال الوطن. لكن رغم هذه التضحيات عانى بعضهم الغبن والتهميش، ورغم الحيف، تمسك أغلبهم بوطنيته وساهم بشكل فعال في الدفاع عن الصحراء بشراسة، كما الأمر لصاحب هذه الحلقات، في حين أغري القلة بمناصب في دولة وهمية وفضلوا الاستقرار بين رمال تندوف.
دخل المغرب مرحلة مظلمة ونشبت نزاعات بين رفاق الأمس
بعد استقلال المغرب، طلبت منا السلطات المغربية تسليم أسلحتنا. دون تردد وافقنا على القرار، لكن بعض رفاقنا اعترضوا على الأمر، وأكدوا أن الخونة وأبناءهم حصلوا على مناصب كبرى في الدولة، وخططوا لتجريدنا من أسلحتنا وقتلنا في ما بعد، انتقاما لأقاربهم الذي سقطوا على يد المقاومة.
بالفعل دخل المغرب مرحلة مظلمة، ونشبت نزاعات بين رفاق الأمس، تجاوزت الخلافات الفكرية وتحولت إلى اغتيالات. كان أول ضحاياها محمد البعمراني، أصيب بطلقة نارية من قبل مجهولين، وعندما قررت زيارة منزله والتأكد من الأمر، التقيت زوجته بالشارع، فطلبت مني الاختباء، لأنني على رأس لائحة الاغتيالات.
يعود سبب هذا الخلاف إلى تبيان طريقة تدبير شؤون المغرب ما بعد الاستقلال، إضافة إلى محاولة التخلص من زعامات في المقاومة من أجل الحلول محلها. في أحد الأيام أطلق مجهولون الرصاص على كنان الصغير، زعيم خليتي، ونقل إلى وجهة مجهولة. وبعد بحث مضن، علمنا أنه يوجد بالقصر الملكي. قررت وزميل لي الانتقال إلى القصر الملكي بالرباط، ولقاء السلطان محمد الخامس والاستفسار عن الأمر. وبمجرد أن وصلنا باب القصر، استقبلنا البكاي مستشار الملك، وأخبرنا أن المقاوم الصغير يعالج من الجروح على نفقة القصر، وأنه قرر الاحتفاظ به خوفا على حياته.
توالت تلك الحرب الدموية بين الأشقاء لفترة طويلة، سقط إثرها خيرة المقاومين، رغم محاولات التهدئة والوساطات التي قامت بها الدولة ورموز وطنية بارزة. ظل الوضع على ما هو عليه، وقتها قررت الالتحاق بجيش التحرير من أجل محاربة الاستعمار الإسباني في الصحراء.
خفت حدة المواجهات بين الأطراف المتصارعة بالمغرب، بمجرد أن نفذ جيش التحرير عمليات عسكرية ضد القوات الاسبانية، إذ كانت أخبار هذه الانتصارات تغري المقاومين بالالتحاق بذلك الجيش، ومواصلة الكفاح إلى حين تحرير كل التراب الوطني.
خلال وجودي في معسكر جيش التحرير، تدربت على استعمال أسلحة جديدة من بينها بنادق ورشاشات وقنابل، قبل أن أزج في معركة ضد الجيش الاسباني، أصبت فيها برصاصة في الساق.
بعدها التحق بنا عدد من الصحراويين المتطوعين، أغلبهم من قبائل الركيبات، تحمسوا لطرد الاستعمار الفرنسي، وراهنوا بحياتهم لتحقيق هذه الأمنية. وبحكم معرفتهم الجيدة بالصحراء، تقرر تقسيمنا إلى خلايا تتكون من ستة أفراد، ثلاثة صحراويين وثلاثة من أبناء الداخل. كانت مهمة هذه الخلايا، القيام بدوريات ليلية ومفاجأة العدو، بشن عمليات خاطفة تسببت في قتل العديد من جنوده.
كانت الإبل وسيلة النقل الوحيدة، تطوع عدد من الصحراويين لتسليمها لنا. كانت عملياتنا العسكرية دقيقة وفعالة، أرعبت قادة الجيش الإسباني، الذين أجبروا على بناء تحصينات جديدة لحمايتهم من أي هجوم مفاجئ.
مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى