بانوراما

بوجلود… حكاية اسم

جوامع فاس 10

اهتم القائمون على شؤون فاس العتيقة، كثيرا بالعلم والدين، في مختلف الحقب التاريخية. وبنوا المدارس والجوامع موازاة مع اهتمامهم بتحصين هذه المدينة عسكريا، حتى أنك نادرا ما تجد حيا بدون جامع شكل قبلة للتعليم والصلاة ودروس الوعظ والإرشاد. والحصيلة 780 مسجدا بتجهيزات وموارد مالية من مصادر الأحباس حتى من نساء،
جلها بني في عهدي المرابطين والموحدين.

يعتبر جامع أبي الجنود، الذي بناه الخليفة الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور في 1184 ميلادية، قرب القصبة القديمة بين فاس البالي وفاس الجديد، غير بعيد عن باب وساحة فسيحة بالاسم نفسه، ثالث مساجد فاس العتيقة الذي أقيمت فيه الخطبة، بعد مسجدي القرويين والأندلس.
وتحدثت المصادر التاريخية عن 12 خطيبا كل واحد منهم يخطب فيه شهرا كاملا ليتيح الفرصة للموالي بشكل متواتر ومسترسل، أغلبهم ذوو صيت عال وجربوا الخطابة بأشهر مساجد المدينة القديمة.
ومن أشهر خطبائه محمد بن ملوك التلمساني، الفقيه المدرس الذي كان يخطب بهذا الجامع، شهرا في العام، والفقيه المفسر محمد بن المدني كنون شيخ الجماعة، الذي يخطب المدة نفسها وكان له مجلس بالقرويين يقرأ فيه المختصر.
ولأهمية ومكانة خطبائه، تربط المصادر تسميته باسمه الحالي (بوجلود) بعدما سمي سابقا باسم “جامع النصر”، لأحدهم كان له موقف شجاع ضد فرض المكس رسما إجباريا على صناعة الجلود، لما دعا في آخر خطبة له بالجامع إلى الوقوف في وجه هذا الإجراء، قائلا “يا ودود أنزل نقمتك بمن يفرض المكس على الجلود” كما ذكر ذلك محمد معنى السنوسي في كتابه “نبضات من قلب فاس”.
كل هؤلاء الفقهاء كان لهم صيت وشهرة وورد ذكرهم باعتبارهم خطباء مشاهير مروا من هذا الجامع القديم الذي ما زال قائما، في كتاب “معجم خطباء فاس” من تأليف محمد الحسوني والحسين زروق”، كما العلامة المشارك الفرضي الحيسوبي المفتي عبد الرحمان بن علي بن سودة، الذي كانت له شهرة كبيرة في الإفتاء وكان يخطب في جامع بوجلود، في شهر ذي الحجة من كل سنة هجرية.
هذه الأسماء الوازنة دليل المكانة الدينية والعلمية التي احتلها الجامع، الذي طالته عدة تغييرات في القرن 19 الميلادي على عهد العلويين، شملت خاصة أبوابه الخارجية ومختلف مرافقه. وتعتبر أشغال الترميم والتزيين التي طالته على أيدي المحسنين في ذكرى المولد النبوي لعام 1432 هجرية، الأهم في تاريخ تهيئة المسجد الذي يتميز بصومعته المشيدة على عهد الأمير أبو يحيى المريني، والمرممة في العهد الوطاسي.
ولا تختلف صومعته عن تلك لمختلف مساجد الموحدين المبنية بالتصميمات والهندسة والشكل نفسها، من حيث موقعها فوق المحراب غالبا في جهة الشمال، بنواة مركزية وبشكل مربع، وتجهيزها بالجامور ذي الكرات الثلاث، وأشكال زخرفية مختلفة من الرخام والزليج وبأقواس مفصصة ذات قعر مسطح، كما فصل في ذلك كتاب “مساجد المغرب” لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قبل 8 سنوات.

تميز في بناء الموحدين

يتميز بقبب مقرنصة أشبه بتلك المرابطية وكتلك في بلاط القرويين، مع توفر عدة زهريات بتزيين فريد أبدعه صناع هذا العصر. وله سقف خشبي مستقيم لا يخلو من التيجان عوض الأقواس المباشرة، مع الاكتفاء بنصف تاج على أنصاف الأعمدة البارزة، خاصة في البلاطات الموازية لجدار القبلة وتلك المحورية وفي المحرابات التي لها زخارف تزيدها جمالا ورونقا، كما كل مرافق المسجد.
وتحتل الكتابة بخط كوفي قديم أو بهيأة منمقة، لمأثورات دينية أو آيات قرآنية، نقطة تميز في بناء الموحدين لجل مساجدهم كما جامع بوجلود الذي تربط تسميته بعض المراجع التاريخية بموقعه قرب باب كان جنود حامية عسكرية تقيم أو تستريح قرب هذا المكان الذي لا يبعد إلا بأمتار معدودة عن ثانوية مولاي إدريس الأقدم بين المؤسسات التعليمية بفاس، والمنفتحة بابها على ساحة بوجلود المشهورة بفن الحلقة.

حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق