fbpx
بانوراما

بنعبد الله … “عاجبو راسو”

ساسة على سكانير هند 4

“الصباح” تنشر حلقات  تفك شفرات الخطاب غير اللفظي لمسؤولين وصناع القرار

عاشت أجيال من المغاربة مع بعض السياسيين سنوات كانوا فيها، وما زالوا، حاضرين بقوة، رافضين الانزواء أو الخروج من دائرة الضوء. شخصيات نعرفها من خطاباتها وتصريحاتها في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
في هذه السلسلة، نعرّف القارئ على مجموعة من هذه الشخصيات، من زاوية مختلفة هي زاوية معالجة الخطاب غير اللفظي وتحليل ما خلف الحركة، تقدمها هند كاسيمي، الخبيرة في “الكوتشينغ” الاحترافي الخاص بالسياسيين ورجال الأعمال وفي الخطاب غير اللفظي و”الميديا ترينينغ”.
إنجاز: نورا الفواري

يكاد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، يكون واحدا من بين أكثر السياسيين الشغوفين بالعمل السياسي في المغرب. إنه رجل سياسة بامتياز، يعرف جيدا ما يقوله ومتمكن منه. لديه خطاب متقن ومترابط. يتمتع بشخصية واثقة وقوية. يتحدث بسهولة وليونة، لا تخلو من عنفوان واضح، قد يترجم على أنه “عاجبو راسو”.
لنبيل بنعبد الله طريقة متميزة أثناء الحديث أو إلقاء الخطاب، يتخللها أداء مسرحي لا يشبهه فيه أحد من السياسيين. أداء أقرب إلى العفوية منه إلى “التمثيل” على الجمهور. يركز كثيرا على الرسالة التي يرغب في تبليغها أكثر من تركيزه على الطريقة أو الأسلوب، لذلك، لا تعبر ملامح وجهه عن قوة خطابه ولا تواكبه. إنهما بعيدان كل البعد، إلى درجة يمكن القول إنه لا يتفاعل جسديا مع ما يقوله، وكأن طول ممارسته للخطابة جعلته ميكانيكيا وآليا. صحيح أننا  نعبر من خلال الكلمة، لكن الحركة مهمة أيضا. فاللغة الشفوية لا تمثل سوى 7 في المائة من الرسالة. 55 في المائة من تواصلنا نابع من اللغة غير الشفوية و38 في المائة من نبرات الصوت.
لدى بنعبد الله نظرة عابرة، تنقصها الجودة. إنها متقطعة لا يعرف كيف يوزعها جيدا، كما أنه لا يركز النظر على متحدثه،  تحسه غير مهتم… أو في مكان آخر… غير راغب في التواصل مع الآخر بقدر بحثه عن إقناعه. إن ما يهمه هو الدور وليس العلاقة. مع أن هذه النظرة نفسها، تغيب أحيانا في حواراته.
في محاولته للإقناع، يكثر بنعبد الله من الحركة ويكاد يوظف في هذه العملية جسده كله. في المقابل، لديه حركات مرنة ومفتوحة لكنه لا يعبر كثيرا من خلالها، في حين نجد لديه بعض الحركات الزائدة، مثل لمس الشعر أو الأنف أو الأذن أو اللعب بساعة يده. إنها في الغالب طريقة لإخفاء توتر أو حالة قلق، لكنها، في حالته، عادة  لها دلالاتها. إنها حركات تظهر بشكل لا إرادي. هنا، إنه الجسد هو الذي يتكلم.
يملك بنعبد الله قدرة على التحكم الجيد في إيقاع صوته ونبراته. لكنه، حين ينفعل، يبدأ في الإسراع بالحديث ويصبح نفسه متقطعا وصادرا من أعلى جسده. إنها مسألة طبيعية حين نشعر بالانفعال أو القلق أو “الستريس”، إذ يتخذ إيقاع تنفسنا سرعة أكبر ويصبح قفصنا الصدري أكثر ضيقا. إن جودة التنفس عامل مهم لدى الخطيب الجيد ومؤشر على قدرته على السيطرة على النفس.
يعرف الأمين العام لحزب “التقدم والاشتراكية” كيف يسيطر على مجريات الحوار أو النقاش. ويظل، مثلما أشرنا سابقا، وفيا للرسالة التي يرغب في تبليغها وإيصالها إلى الجمهور، لا يتزحزح عنها. وقد يذهب أحيانا في ذلك حد الهجوم على محاوره أو “الانفجار” في وجهه، من أجل أن يتوقف عن الكلام. إنها إستراتيجية لديه، يبدو فيها مندفعا أو عنيفا، لكنها، بالنسبة إليه، طريقته للتأثير  في محاوره ودفعه إلى فهم ما يريد أن يقوله أو يعبر عنه. إستراتيجية يمكن توظيفها باعتبارها وسيلة من أجل الإقناع، لكنها يمكن أن تكون، في الواقع، مؤشرا على “ستريس” أو ضعف.
في نهاية المطاف، لكل رجل سياسة “تكتيك” أو إستراتيجية معينة، هي جزء من أسلوبه. ويمكن، في هذه الحالة، القول إن جميع الأساليب مشروعة.

الوسيم

لم ينل الزمن من وسامة نبيل بنعبد الله، ولا أفقدته “الضربات” السياسية القاسية التي تلقاها، وآخرها إعفاؤه من منصبه وزيرا للسكنى والتعمير وإعداد التراب الوطني في حكومة سعد الدين العثماني، بسبب غضبة ملكية، شيئا من حماسته وشغفه بالعمل الحزبي والسياسي. وما زالت خرجات الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، تشغل الإعلاميين وتثير الجدل من حوله.
شغل بنعبد الله، الذي رأى النور في الرباط في 1959، العديد من المناصب الرسمية وحمل حقائب وزارية كثيرة، حتى ولو كلفته تحالفا “هجينا” بينه، هو القادم من زمن الشيوعية، وبين حزب بمرجعية إسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى