fbpx
بانوراما

بوريطة … الخجول

ساسة على سكانير هند 2

“الصباح” تنشر حلقات  تفك شفرات الخطاب غير اللفظي لمسؤولين وصناع القرار

عاشت أجيال من المغاربة مع بعض السياسيين سنوات كانوا فيها، وما زالوا، حاضرين بقوة، رافضين الانزواء أو الخروج من دائرة الضوء. شخصيات نعرفها من خطاباتها وتصريحاتها في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
في هذه السلسلة، نعرّف القارئ على مجموعة من هذه الشخصيات، من زاوية مختلفة هي زاوية معالجة الخطاب غير اللفظي وتحليل ما خلف الحركة، تقدمها هند كاسيمي، الخبيرة في “الكوتشينغ” الاحترافي الخاص بالسياسيين ورجال الأعمال وفي الخطاب غير اللفظي و”الميديا ترينينغ”.
إنجاز: نورا الفواري

يكشف هدوء صوت ناصر بوريطة، وزير الخارجية والتعاون، عن معالم شخصية رزينة. ويعطي وضوح لغته الموزونة الانطباع عن تواضع وليونة في التواصل، بشكل ينفي عنه شبهة الرغبة في الاستحواذ والسيطرة. طريقته الخاصة في الكلام تأسره في دائرة الصوت المنخفض وتمنعه من تجاوز عتبة النبرات الصوتية المتوسطة، ولا تمكنه من التحكم في آليات تغيير الوتيرة والتلاعب بالموجات أثناء الحديث.
يكون الصوت ذا جاذبية من خلال العواطف والمشاعر التي ينقلها، ومن خلال الأفكار التي يلهمها. والصوت الجيد هو الذي يكون مناسبا للمتحدث وللوضعية التي يتحدث من خلالها. الصوت يعطينا فكرة على نوعية الشخصية التي أمامنا. إنه يخون صاحبه. إنه أكيد وموثوق به، مثل البصمة. لكل واحد منا صوته الشخصي الذي يمكن تمييزه من خلاله. وبالنسبة إلى الخطيب الجيد، لا يكفي فقط أن يكون مسيطرا على المستويين الفكري والمعرفي، بل أن يعبّر عن ذلك من خلال جسده وصوته أيضا، وهما عاملان أساسيان لإتقان فن الخطابة.

يتمتع بوريطة بميزة جيدة تتمثل في قدرته على الحفاظ على صوت رابط الجأش وإيقاع مديد ونطق رشيق، وهو ما يمكنه من أن يظهر قوي الحجة والبرهان ومن تبليغ رسالته كما ينبغي. إنها طريقة ممتازة للإجابة عن سؤال حساس أو وضع حد لجدل عقيم. كما يتمتع أيضا بقدرة على استباق الأفكار، من خلال صوته وتعابير وجهه التي تظل هي نفسها، في جميع المواقف. فهو، حين يريد التعقيب على مخاطبه مثلا، أو حين يرغب في التعبير عن ملاحظة ما، يحرص على أن يقوم بذلك في اللحظة المناسبة، وبالطريقة المناسبة. إنه لا يقاطع محدثه، لكنه ينتظر دائما اللحظة المناسبة من أجل التدخل.
عندما يشعر وزير الخارجية بالإجهاد أو التوتر، يميل إلى الإشاحة بنظره لقترة قصيرة، ويظهر قلقه من خلال الحركات المتسارعة لرموش عينيه ورفرفة جفونه. إذ تتسارع رفة العين عندما يكون الشخص قلقا أو متوترا، قبل أن تعود إلى طبيعتها، في حالة الاسترخاء. وفي حالة بوريطة، تزداد وتيرة رفة العين أيضا حين يكون بصدد البحث عن الكلمة المناسبة.

ورغم وجود بقايا خجل، تظهر جلية في طريقة المصافحة للوهلة الأولى، يمتلك وزير الخارجية حضورا وشخصية قادرة على التواصل الجيد والتأثير في الآخر، وهي ميزة ونقطة قوة تحسب له بالنظر إلى طبيعة المهام التي يضطلع بها. إنه، أيضا، يعرف جيدا كيف يوزع نظراته على جميع الحضور، بطريقة تلقائية تدل على منح الاهتمام بالآخر وانفتاح على المحيط.

الوزير المفاجأة

لم يكن أحد يتوقع تعيين ناصر بوريطة وزيرا منتدبا ثم وزيرا في الخارجية، فحتى الحالات التي سلمت فيها حقيبة الدبلوماسية للتقنوقراط، لم يحدث يوما أن كانت من نصيب واحد من أطرها، مثلما كان عليه الحال بالنسبة إلى الوزير الحالي الذي شغل منصب الكتابة العامة لوزارة الخارجية والتعاون منذ 2011 فقط.
تلقى بوريطة تكوينا قانونيا، فهو حاصل على دبلوم الدراسات العليا في القانون العام الدولي من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط، إضافة إلى شهادة الدراسات العليا في العلاقات الدولية من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط.

تحدى الوزير الشاب، الذي رأى النور في 1969 بتاونات، صقور الدبلوماسية، واستبدت به عقدة إثبات الذات طيلة مقامه الحكومي، رغم أن دواليب الخارجية ليست غريبة عليه، ورغم أن إلمامه بالشؤون الدبلوماسية يكاد يكون محل إجماع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق