fbpx
افتتاحية

العدالة الضريبية

أشعل الحيف الجبائي فتيل احتجاجات الشارع الفرنسي، وميلاد حركة السترات الصفراء، التي رأت في تدابير الرئيس الفرنسي الضريبية استهدافا للقدرة الشرائية لمحدودي الدخل والفئات المتوسطة.
الدرس الفرنسي يعيد فتح النقاش حول أدوار الضريبة داخل المجتمعات، لما لها من تأثير مباشر على السلم الاجتماعي، فهي تقوم بثلاثة أدوار أساسية داخل كل مجتمع: دور مالي يتمثل في تحصيل الموارد المالية للدولة من أجل تغطية تكاليف مهامها، ودور اقتصادي باعتبارها الوسيلة الأمثل لتوجيه الاستثمارات وتحقيق توجهات النموذج التنموي، وآخر اجتماعي بتقليص الفوارق الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل الوطني.
إن تقييم السياسة الجبائية في أي بلد، يجب أن يرتكز على مدى توافقها مع الأدوار المنوطة بها. ومن أبرز الجوانب التي تحظى بالاهتمام، البعد الاجتماعي للضريبة، وطريقة توزيع العبء الضريبي على مختلف شرائح المجتمع.
فليس عبثا، إذن، أن يختار المشرفون على المناظرة الوطنية الثالثة حول الجبايات، التي سيسدل عليها الستار، اليوم (السبت)، مسألة العدالة الجبائية موضوعا محوريا للنقاش.
يعود موضوع الإنصاف في الاقتطاعات الضريبية لتغطية التكاليف العمومية إلى عقود، منذ أن أصبح الإنسان يعيش في إطار الجماعة، إذ نجدها في أعمال الفيلسوف اليوناني أرسطو. لكن القضية ما زالت ذات راهنية، خاصة في الدول التي لم تصل بعد إلى النضج الديمقراطي والعدالة الاجتماعية المنشودة.
أما بالمغرب، فنجد أن 73 % من موارد الضريبة على الدخل تأتي من جيوب الأجراء والموظفين، في حين أن كل الشرائح الاجتماعية الأخرى تساهم بالنسب المتبقية، بسبب الإعفاءات واختلاف معدلات الضريبة المطبقة على كل فئة. كما أن أقل من واحد في المائة من المقاولات تتحمل 80 في المائة من اقتطاعات الضريبة على الشركات.
بالموازاة مع ذلك، نجد قطاعات اقتصادية تستفيد من إعفاء من الاقتطاعات الضريبية لعقود، ما يضيع على خزينة الدولة مبالغ سنوية تتجاوز 30 مليار درهم، ويدفع الدولة إلى رفع الاقتطاعات على مداخيل الفئات الأخرى. واقع يعكس الحيف الذي تعانيه شرائح اجتماعية بسبب النظام الجبائي القائم حاليا.
إن غياب العدالة الجبائية يجعل العديد من المواطنين يتهربون من أداء ضرائبهم، أو يغشون في التصاريح بدخولهم كلما أتيحت لهم الفرصة. كما أن استمرار الحيف الضريبي يهدد السلم الاجتماعي، لأنه يكرس الفوارق الاجتماعية ويعمقها، ما يؤدي، في نهاية المطاف، إلى اشتعال الاحتجاجات في صفوف المتضررين.
وإذا كان الجميع بالمغرب متفقا على ضرورة إعادة النظر في النظام الحالي وجعل موضوع العدالة الجبائية محوريا للمناظرة، فإن المطلوب ترجمة التوصيات التي سيتم التوصل إليها، إلى إجراءات ملموسة داخل سقف زمني محدد، وألا تظل حبرا على ورق، كما وقع لمخرجات المناظرة السابقة، التي مرت عليها ست سنوات، دون أن تجد طريقها إلى المؤسسة التشريعية.
العدالة الجبائية أصبحت مطلبا ملحا لا يحتمل المماطلة، ولن تتأتى إلا عبر آليتين: تحقيق المساواة أمام الضريبة، أي أن يخضع أصحاب الدخول المتساوية للاقتطاعات ذاتها، ما يعرف بالعدالة الجبائية الأفقية، وتباين اختلاف الاقتطاعات حسب تباين مستوى المداخيل، أي عدالة عمودية، تساهم في إعادة توزيع الدخل الوطني وتعزز دور الضريبة في تقليص الفوارق الاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى