fbpx
حوادث

قصة جريمة … احتجاز مهندس فلاحي بالجديدة

أهل الدوار اعتقدوا خطأ أنه يمشط مقبرتهم بحثا عن الكنوز والخزائن

إنجاز: عبدالله غيتومي (الجديدة)

قبل عقدين من الزمن كان إقليم الجديدة يستيقظ مرارا على أخبار انتهاك حرمة مقابر وأضرحة من قبل عصابات منظمة ومتخصصة في التنقيب عن الكنوز والخزائن، خاصة في مناطق سايس وأولاد عيسى وأولاد افرج وأولاد غانم والقائمة طويلة، وظلت منطقة سايس مستهدفة أكثر خاصة في مناطقها التي تحضن بقايا مآثر تاريخية تشهد على أنها عاشت ثراء كبيرا في يوم من الأيام على يد مجموعة من العائلات الثرية والقواد المشهورين.

تحولت منطقة سايس التي تدخل في المجال الترابي لسيدي إسماعيل، خاصة ” زاوية سايس” إلى بوصلة الباحثين عن ثراء الكنوز، ذلك مرده بالأساس حسب عارفين أن الزاوية كانت بها عائلات كبيرة في شأنها الاقتصادي وشاع أنها كانت تكنز حليا ونفائس وأشياء ثمينة، وأن الزاوية كانت المكان اﻵمن الذي تخزن به وبحرماته الثروات في ظل غياب خزنات حديدية آنذاك.

نبش ونهب الكنوز

في إحدى الليالي المطرة من شتاء 2002 التي حكمت على أهل الزاوية بالخلودإلى النوم مبكرا، زارت سيارة دفع رباعية مرقمة حسب شهود عيان بالبيضاء وعلى متنها أربعة أشخاص، ضريح مولاي الطاهر السايسي، مجهزة بوسائل حفر متطورة، وقامت باستخراج رفات زوجة مولاي الطاهر ونبش قبره كذلك، وبعد أن تحوزت بما أتت من أجله، قفلت راجعة تحت جنح الظلام.
استيقظ الدوار لأداء صلاة الفجر، فهالهم منظر انتهاك حرمة الضريح وعلى جنباته رفات أموات مرمية بطريقة بشعة ومقززة.

ربط شرفاء من حفدة مولاي الطاهر السايسي الاتصال بالدرك الملكي لسيدي إسماعيل، الذين استمعوا إلى كل من حامت حوله شبهة التواطؤ مع غرباء متخصصين في نبش الأضرحة والمقابر، وراوحت القضية مكانها لفترة غير قصيرة دون أن ينال المعتدون جزاءهم.

وعلى خلفية هذه الجريمة التي انتهكت حرمة ضريح بحمولة تاريخية وبرمزية وجدانية لدى السكان، اجتمع أهل الرأي على عشاء بمسجد “زاوية سايس”، وهو من المساجد التاريخية بالإقليم، وبعد أن أدانوا وبشدة استهداف أضرحتهم وانتهاك حرمة موتاهم، أعملوا المثل المأثور “ماحك جلدك مثل ظفرك”، واتفقوا على تنظيم مناوبة حراسة بالنهار والليل على المناطق التي مازالت تسيل لعاب عصابات الكنوز بما في ذلك مقبرة قديمة تحمل اسم “مقبرة مول الكنابش” ساد الاعتقاد منذ زمن طويل أنها تؤوي في أحضانها كنوزا وخزائن، وأنها شهدت محاولات متعددة للنبش عنها من قبل غرباء يظل التبليغ عنهم دائما لا يتجاوز حفظ شكايات ضد مجهولين.

مهندس في ورطة

جريمة الاعتداء على مهندس تابع إلى المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي، تبقى من الجرائم الطريفة التي ارتبطت بالكنوز.

فقد أطلق الاتحاد الأوربي في الفترة بين 1998 و2005 في إطار القضاء على الملكيات المجهرية التي تعيق تطور النشاط الفلاحي، مشروعا ضخما لضم الأراضي وتجهيزها بمنطقة سايس ومنطقة مجاورة لها أسماها ” سايس بور 1 وسايس بور 2″، وكان المشروع يتضمن مجموعة من المنشآت الاجتماعية التي تروم تجويد حياة السكان وضمنها حفر آبار وتشييد صهاريج مائية.

وحدث أن مهندسا تابعا للمكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بدكالة، كان مكلفا بهذه المشاريع، خرج مع طاقم تقني يمثل شركتين متخصصتين في المشاريع المائية، وكانت الساعة تشير إلى الواحدة زوالا من أحد الأيام الصيفية من 2003، في مهمة بجوار مقبرة الدوار المسماة “مول الكنابش ” يحملون معهم آليات رصد تتعلق بالفرشة المائية.

وبمجرد اقترابهم من نقطة الحراسة التي وضعها السكان لحماية كنوز يعتقدون سلفا أنها موجودة بالمقبرة، وجد المهندس وكل الطاقم التقني أنفسهم محاطين بفرقة الحراسة، وما هي إلا لحظات حتى شاع الخبر بشكل كبير، وتجمهر الناس حول المقبرة وكلهم على اقتناع تام بأن المهندس ورفاقه، متخصصون في نبش القبور بحثا عن الكنوز.

حاول المهندس إقناع الحاضرين بأن الأمر يتعلق بعمل تقني سابق لعملية حفر آبار ترويهم وماشيتهم، لكن ذلك لم يكن كافيا للتخلص من شخص أحكم قبضته على عنقه وكأنه من السارقين.
وتولى شخص آخر ربط الاتصال بشيخ القبيلة الذي حضر على عجل، بدوره أخبر قائد المنطقة الذي التحق بالمقبرة، وعاينوا جميعا شخصا يمسك بالمهندس في مشهد حاط بالكرامة.

تدخلت السلطة لتنبه الشخص المعتدي أن السلوك الصادر عنه، يندرج في خانة إهانة موظف عمومي أثناء مزاولته لمهامه وأن ذلك معاقب عليه قانونا ،وطلبت منه إخلاء سبيله، لكنه وسط صياح السكان الذي اعتبره تشجيعا له، واصل الإمساك بالمهندس بينما تولى آخرون محاصرة باقي عناصر الطاقم التقني المرافق له.

استنفار لدى الدرك

أمام هذا الوضع المتشنج لم يكن أمام القائد بد من مهاتفة قائد مركز الدرك الملكي بسيدي إسماعيل، الذي عجل بالحضور إلى الدوار وأفلح في فك احتجاز المهندس ورفاقه، وتم اقتياد أشخاص من السكان اعتقدوا بداية أنهم مشتكون ضد غرباء انتهكوا حرمة مقبرتهم طمعا في ما يختزنه باطنها من كنوز، قبل أن يجدوا أنفسهم بمجرد وصول تعليمات النيابة العامة رهن الحراسة النظرية، وأنهم سقطوا في المحظور وأن الحراسة التي كانوا يؤمنونها على الأماكن التي استهدفت في السابق، جعلتهم يضعون اليد على طاقم تقني موكول له عمليات مرخصة تندرج ضمن المشروع الكبير للضم سايس بور 1و 2 .

أدلى المهندس بشهادة طبية لأنه تعرض إلى التعنيف وتمسك بداية بمتابعة من كان يحتجزه ورفاقه، ودخلت القضية منعطفا آخر، وتحركت وساطات لتطويق التطورات، قادها أعيان من المنطقة أثمرت التنازل عن المتابعة وطي صفحات قضية طريفة ومثيرة.

وواصل السكان بسايس مراقبتهم بالليل كما بالنهار، وتناهت الأخبار إلى العصابات الحقيقية التي حولت وجهتها نحو مناطق أخرى كما حدث في مقابر بأولاد عيسى وبضريح سيدي أحمد بن مبارك بتراب جماعة أولاد غانم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى