fbpx
ربورتاج

بلقصيري … الرماد القاتل

ينبعث من معملي السكر والشمندر وصحة المواطنين في خطر بسبب أمراض عيون وتنفسية والوزارة في قفص الاتهام

لم تعد بلقصيري المدينة الجميلة والهادئة المتوهجة، و”باريس الصغيرة”، كما لقبها المستعمر الفرنسي ذات مرة، لجمالها وموقعها الإستراتيجي، الذي جعل منها ملتقى المدن الداخلية والساحلية. مشرع بلقصيري، التي كانت تتغنى بماضيها التليد، لم تعد كذلك، بفعل تقاعس المجالس المنتخبة المتعاقبة عن رفع التهميش عنها، إلى حد أنها أصبحت غير قادرة على الاستجابة إلى تطلعات سكانها.

عيسى الكامحي (موفد الصباح إلى بلقصيري)

الطريق إلى مشرع بلقصيري لا تبدو صعبة، كما كان عليه الحال قبل أربع ست سنوات. ما عليك إلا أن تختار أي توقيت شئت للتوجه إليها، وعبر مختلف النواحي دون أدنى عراقيل. وربما أن وزارة التجهيز فعلت خيرا بسكان هذه المدينة، عندما عبدت الطرق المؤدية إليها، خاصة تلك الرابطة بينها وبين الرباط والقنيطرة.

على مشارف المدينة

لم يعد أهالي بلقصيري ودواويرها المترامية على الأطراف يشتكون هشاشة الطرق الرئيسية، بعد تهيئتها وتعبيدها، كما قلت الحوادث المميتة، فالطريق معبدة وسهلة تسر الزائرين، بعدما شكلت بؤرة سوداء راح ضحيتها أبرياء.
يقول سائق “طاكسي”، “إن ضحايا أبرياء زهقت أرواحهم في هذه الطريق، لعدم إلمام المسافرين بمخاطرها، خاصة أثناء الليل، كما يمكن أن تشاركك فيها عربات الخيل. هذا كان في الماضي، أما الآن، فتحسن الوضع”.

ولأن بلقصيري تقع في قلب سهل سبو، ومنفتحة على كل الواجهات ونقطة جذب للمستثمرين الفلاحين والتجار والحرفيين، جعلها محط أنظار “لوبيات” استغلال الثروات، لتميزها عن غيرها بالنشاط الاقتصادي، خاصة الفلاحي، إذ تعتبر الفلاحة الصناعية أهم نشاط حيوي، لتعدد المزروعات، كما أنشئت بها وحدتان صناعيتان، مجموعة معامل “الشمندر” السكري للغرب واللوكوس “سونابيل” ومجموعة معامل قصب السكر “سوراك”، إضافة إلى إحداث محطة لتلفيف الحوامض، ومعمل لصناعة الأجور وغيرها من الشركات الفلاحية.
ورغم ثروات بلقصيري المتعددة والمتنوعة، إلا أن سحنات وجوه أهاليها توضح حجم البؤس والفقر، الذي ينخر جسد هؤلاء، كما لو أن مدينتهم باتت أشبه ببقرة حلوب ترضع الآخرين من أصحاب الجاه  ولوبيات العقار وناهبي المال العام.

“الباكاص” في كل مكان

لا يمكن أن تتحدث عن مشاكل بلقصيري وهمومها دون أن يشد انتباهك “الباكاص”، الأكثر استعصاء على السكان، الذي مازالت تعاني تبعاته. و”الباكاص”، رماد أسود ينبعث من معملي السكر، ويتسبب في أضرار صحية وبيئية بالغة سواء على المستوى البصر، أو الجهاز التنفسي.
يقول أحد الفاعلين الجمعويين في حديث لـ”الصباح”، إن المجتمع المدني ببلقصيري خاض مجموعة من الأشكال النضالية، إذ نظم وقفات احتجاجية ومسيرات سلمية، من أجل إرغام شركة تكرير السكر على ضرورة إيجاد حل لرمادها الأسود.

لم تتأخر الشركة عن تلبية الدعوة والجلوس إلى طاولة المفاوضات مع فعاليات من المجتمع المدني، من أجل إيجاد حل لهذه المعضلة البيئية من خلال إحداث مصفاة في مطلع العام الجاري.
وسجل السكان ارتياحا ملحوظا في الفترة الأخيرة، هكذا يتحدث فاعل جمعوي آخر “ربما يكون ارتياحا نسبيا مشوبا بالحذر والتوجس في انتظار تشغيل معمل “الشمندر”، لنتأكد نهائيا حول ما إن تخلصت بلقصيري من هذه المعضلة الخطيرة، أم أن الأمر يتعلق بحلول جزئية”.
وبما أن “الباكاص” رماد قاتل ويتسبب في أمراض مزمنة مستعصية العلاج بوصفات طبية، أو صيدلانية، فإن الوضع الصحي يصبح أكثر سوءا، في ظل غياب مستشفى متعدد الاختصاصات وأطقم طبية تكون رهن إشارة المواطنين.

فما سبب التأخر في بناء مستشفى محلي متعدد التخصصات رغم كل هذه المعاناة؟، سؤال يتردد باستمرار دون أن يعثر سكان بلقصيري على جواب يشفي غليلهم، ولسان حالهم يقول “متى سيأتي الفرج ونتمتع بالحق في التطبيب كغيرنا”.

وهو الموقف، الذي عبر عنه عبد الرحمان نضير، رئيس المجلس، عندما اعتبر الوضع الصحي كارثيا بكل المقاييس، راميا الكرة في معترك وزارة الصحة “قمنا بجميع الإجراءات لاقتناء بقعة أرضية ب500 مليون لبناء مستشفى، إلا أن وزارة الصحة لم تف بما تعهدت به إلى الآن”.

الصحة بيد الله

المركز الصحي الوحيد الموجود في بلقصيري يفتقد إلى التجهيزات الطبية والأطقم التقنية رغم أنه يستقبل سكان نواحي بلقصيري والدواوير المجاورة، فليس هناك طبيب مداوم أيام السبت والأحد والعطل وأثناء الليل، فدور الطبيب الوحيد الموجود نهارا ينحصر في توجيه المرضى نحو مستشفى سيدي قاسم أو القنيطرة.

هناك عبارة منتشرة بين سكان بلقصري، وهي “سير لسيدي قاسم”، بمعنى على كل مريض أن يتوجه إلى مستشفى سيدي قاسم من أجل الاستشفاء والتطبيب، وأن بقاءه لفترة وجيزة دون علاج من تبعات “الباكاص” أو “الأنفلوانزا” مثلا قد يعرض حياته لخطر أكبر أو مضاعفات مميتة. “سير لسيدي قاسم والقنيطرة” تعني انقذ حياتك قبل فوات الأوان، ولا فائدة من مركز صحي مهترئ وطبيب يوجه المرضى أكثر مما يعالجهم. معاناة هذه المدينة المهمشة والمريضة برماد معمليها يلخصها أحد مثقفيها بمقولته الزجلية “الباكاص كيعمي عينينا والما كيسحق في كلاوينا ومن الفوق غالي علينا والمستشفى زايد على ما بينا لا علاج لا تطبيب لا حتى من يشد بيدينا وزايدينها بالبطالة كتقتل فينا ويا ربي لك الشكوى راه عيينا”.

وضع كارثي

ما إن تطأ قدماك مشرع بلقصيري، حتى تتأكد من أنها غارقة حقا في همومها ومشاكلها اليومية وعاجزة عن تلبية أبسط شروط العيش الكريم لـ120 ألف نسمة على الأقل، فالوضع الصحي كارثي، إن لم نقل إن الخدمات الصحية شبه منعدمة في “باريس الصغيرة”، كما يحلو للبعض تسميتها، بسبب غياب مستشفى متعدد التخصصات، يقول فاعل جمعوي (خ.م) “بينما انتظر المواطنون بحرقة مبادرة وزارة الصحية بإحداث مستشفى، أقدمت على تحويل المستشفى الوحيد ببلقصيري إلى مركز صحي يعاني نقصا حادا في الأطقم الطبية والتجهيزات”.

يبدو أن المركز الصحي عاجز عن تقديم الخدمات الطبية والاستشفائية البسيطة للمواطنين، كما لا يتوفر على طبيب مداوم، علما أن أغلب الحالات، التي ترد عليه تحال على المستشفى الإقليمي بسيدي قاسم أو المستشفى الإدريسي بالقنيطرة.

لم يكتف سكان بلقصيري المهمشة باجترار آلامهم ومعاناتهم وعدم البوح بها، استجابة لوعود المسؤولين العرقوبية، بقدر ما نظموا وقفات احتجاجية للتنديد بأوضاعهم المزرية ومطالبة وزير الصحة بزيارة إلى هذا المركز الصحي “اللعين”، للوقوف عن كثب على حجم الضرر، والمعاناة التي تعتصر قلب كل مواطن، لكن لا شيء حصل، فلا هو تفقد المركز الصحي ولا عجل ببناء آخر لتصفية الدم، أملا في التخفيف من معاناة المرضى بالقصور الكلوي. إنها مأساة مدينة عجزت عن تطبيب سكانها المحليين، فكيف تفعل ذلك مع أهالي قراها ودواويرها الممتدة على أطراف نهر سبو.

برك ومستنقعات

تكاد مشاكل بلقصيري لا تنتهي، فحتى جودة الماء الصالح للشرب منعدمة رغم اكتواء سكانها بنار غلاء فواتير الاستهلاك، دون استثناء شقيقته الكهرباء، التي باتت كذلك تستنزف جيوب المواطنين.
وحسب معظم التصريحات، فإن الوضع ازداد سوءا أكثر، بعد ارتفاع تسعيرة تطهير السائل منذ تفويت هذه الخدمة إلى المكتب الوطني للماء الصالح للشرب.

اعتبر أغلب المواطنين أن الاتفاقية مشؤومة، لأنها استنزفت جيوبهم الفارغة، الشيء الذي جعلهم يخوضون خطوات أكثر تصعيدا، من أجل إسقاط التسعيرة، لعدم مساواتها للمستوى المعيشي للسكان والمطالبة بتحسين جودة المياه، يقول أحد الغاضبين “يجب مراجعة أسعار الماء والكهرباء واستصلاح قنوات الصرف الصحي، إذ تحولت الكثير من الأحياء إلى برك مائية ومستنقعات نتنة تفوح منها روائح كريهة بمجرد نزول قطرات من المطر”.

أما فضاءات الطفولة، فتظل شبه منعدمة، مع أن الفرنسيين تركوا حدائق شكلت نقاط جذب واستمتاع لسنوات خلت، قبل أن تتحول إلى وكر للمتسكعين والمتشردين، لاحتساء الخمر وتعاطي المخدرات، ورمي الأزبال والنفايات.
سكان بلقصيري متذمرون ومستاؤون لما آلت إليه مدينتهم، المسماة سابقا، “باريس الصغيرة”، من تدن وتقهقر. تراهم يتوقون إلى عهد ولى، ويترقبون أفقا بات مظلما، لغياب أي انفراج على المدى القريب، أو المتوسط، لكنهم مازالوا متمسكين ببصيص أمل، ربما يخلصهم من كابوس “الباكاص”، وغياب المستشفى والفضاءات الخضراء والنفايات المترامية والمستنقعات النتنة.
الترامي على احتلال الملك العمومي، أحد الملفات الشائكة في مشرع بلقصيري، وهاجس مؤرق للمسؤولين، كما السكان، ولم تجد الوقفات الاحتجاجية نفعا. يتابع ، فاعل جمعوي، “إن هذه القضية ظلت دوما في صلب اهتمامات فعاليات المجتمع المدني، فأرصفة الشوارع وممرات الراجلين تكاد تكون منعدمة، لأنها محتلة من كراسي المقاهي وعربات النقل والباعة الجائلين، ما يتسبب في الكثير من المضايقات للمارة، خاصة التلاميذ والنساء والمسنين”.

ويرى الشايب أن هذه الظاهرة تحتاج إلى مقاربة شمولية وفعالية لتحرير الملك العمومي بشكل تام، بغض النظر عن الحملات، التي تقوم بها السلطات المحلية والمجلس الجماعي. وقال الفاعل الجمعوي، إن بلقصيري تعاني خصاصا مهولا في الفضاءات الخضراء والمنتزهات “وجهنا دعوات للاهتمام بضفة سبو وتأهيلها من أجل إحداث “كورنيش” يكون متنفسا للسكان دون جدوى”.

الثقافة…نقطة ضوء

رغم توفر بلقصيري على معامل صناعية وثروات فلاحية غاية في الأهمية، إلا أن المجال الثقافي سحب البساط من كل القطاعات الأخرى، وحول هذه المدينة الصغيرة والمهمشة إلى ملتقى المثقفين والفنانين والكتاب من خلال الأنشطة الثقافة المنظمة رغم محدودية الدعم.

تحدت بلقصيري همومها اليومية لأجل تظاهرات ثقافية في مجالات القصة والسينما والمسرح، فاحتضنت أسماء بارزة ارتبطت بهذه المدينة رغم هشاشتها.
ولأن بلقصيري حبلى بالمثقفين والمبدعين وذوي النيات الحسنة، تعززت البنية الثقافية بالمركز الثقافي، لينضاف إلى مؤسسة دار الشباب القدس، التي ظلت البيت الدافئ لكل الجمعيات والنوادي النشيطة على مر الزمن.

وتعرف هذه  المؤسسة العديد من الإصلاحات والتغييرات المهمة، ما سيساعد لا محالة إلى جانب المركز الثقافي في تفعيل الأنشطة الجمعوية بمختلف أنواعها، لما فيه مصلحة المواطنين بالمدينة.

الرياضة تتحرك

الحديث عن الرياضة ببلقصيري يجرك بالتأكيد إلى استحضار فريق عمل بلقصيري لكرة القدم، الذي لعب بالقسم الأول في عقد الثمانينات، وأنجب لاعبين جيدين، قبل أن يندحر إلى الأقسام السفلى، دون أن ينهض إلى الآن.

بدأ الاهتمام بالرياضة يكبر يوما بعد آخر، كما أعيد الاعتبار إلى عمل بلقصيري، بعد تكسية ملعبه بالعشب الاصطناعي، من أجل تمكينه من اللعب في ظروف مناسبة رغم انتمائه إلى بطولة عصبة الغرب.
يسعى فريق عمل بلقصيري حاليا إلى استعادة أمجاده الغابرة، لكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، كما يقول المثل الصيني، إذ بات مطالبا بتحقيق الصعود في الموسم الجاري، وهو متصدر الترتيب حاليا تحت قيادة مدربه محمد القرقوري، اللاعب السابق للجيش الملكي وأولمبيك أسفي، كما أحدث بعض ملاعب القرب، حتى تشكل متنفسا للشباب المتعطش للرياضة أكثر من أي وقت مضى.

نضير: ورثنا اختلالات

قال عبد الرحمان نضير، رئيس المجلس الجماعي، إنه طلب رفع ضرر “الباكاص” عن سكان بلقصيري في مناسبات عديدة، بالنظر إلى تفاقم المشكل في السنوات الأخيرة.

وأضاف نضير في تصريح ل”الصباح”، أن المجلس الجماعي راسل مدير “كوسيمار” من أجل رفع الضرر، كما عقد اجتماعات متتالية مع شركة تكرير السكر، وزاد “أظن أن الأمور تحسنت كثيرا بعد تركيب منشأة بمواصفات حديثة تعمل على الحد من تسرب الغبار الأسود بنسبة 90 في المائة”.
وأكد رئيس المجلس الجماعي أن سكان بلقصيري يترقبون ذروة الإنتاج بهذه المعامل، من أجل الوقوف على نجاح التجربة.

وبخصوص مشاكل احتلال الملك العمومي والبنيات التحتية الهشة والفضاءات المهمشة، أكد نضير أن المجلس الجماعي ورث العديد من الاختلالات، مشيرا إلى وجود برنامج لتهيئة الأرصفة والأزقة بغلاف مالي يقدر ب4 ملايير سنتيم، وأضاف “أعتقد أن هذا المبلغ ليس كافيا، إذ نحتاج إلى ستة ملايير من أجل تهيئة جميع الأحياء وإعادة الاعتبار إلى البنيات التحتية المهترئة، كما أننا نشتغل لإعادة الروح إلى الحدائق المهمشة، بعدما أصبحت نقطة سوداء ووكرا للخارجين عن القانون والمتشردين”.

وأكد نضير أن المجلس الجماعي بصدد بناء مشاريع مدرة للدخل من بينها إحداث محطة طرقية ومسبح يشكل متنفسا للسكان ومشاريع أخرى ترفع من ميزانية الجماعة وتضمن استقلاليتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق