fbpx
افتتاحية

انقلاب

“إنهم يتعلمون الحلاقة في رؤوس اليتامى”، أو هكذا يبدو من النقاش الصاخب حول “إشكالية تدريس اللغة ولغات التدريس”، الذي يقوده برلمانيون، إذ نجزم ألا أحد منهم يثق في التعليم العمومي، وأغلبهم يدرسون أبناءهم في مدارس خاصة مغربية، أو تابعة لبعثات أجنبية.
ففي مشاهد سريالية، يُزبد برلمانيون ويرغون، منذ أكثر من شهر بلجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، ليس دفاعا عن اللغات التي ينبغي أن يحمل فيها مضامين الدعامات الكبرى لرؤية 2015-2030، بل بحثا عن تسجيل نقاط إضافية في مرمى الخصوم السياسيين وتصفية حسابات معلقة منذ الانتخابات السابقة، على حساب مستقبل التلاميذ والمدرسة المغربية.
ففي وقت اعتقد الجميع أن النقاشات العلمية والتقنية (وحتى السياسية) حول اللغات التي ينبغي أن تدرس بها المواد العلمية، انتهت بإقرار مشروع القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين متضمن لهندسة واضحة للغات، عدنا إلى نقطة الصفر من جديد، وتحول البرلمان إلى “سيرك عمار” لاستعراض آخر “صيحات” المزايدات باسم الهوية والثقافة والخصوصية، مع كثير من الاتهامات بوجود توجيهات من “الخارج” لإقرار هذه اللغة الأجنبية وتلك.
وتبلغ مشاهد الضحك على الذقون ذروتها، حين يناصب برلمانيو العدالة والتنمية العداء لهندسة لغوية مصادق عليها داخل الأغلبية الحكومية، التي يقودها الحزب نفسه، وتضمن مشروع القانون الإطار المصادق عليه في مجلس وزاري ترأسه الملك، المقاربة نفسها التي يعارضها “بيجيدي”، اليوم، بحجة “تزوير” لحق المشروع قبل عرضه على مجلسي البرلمان، وهي تهمة خطيرة، ينبغي فتح تحقيق فيها!!
وفي انتظار انتهاء هذا الصخب، نكون قد أضعنا سنوات أخرى وفرصا ذهبية للاتفاق على البنيات اللغوية، التي سنحمل فيها منظومة المعرفة والتعليم والتكوين، لأن العبرة ليست في اللغة في حد ذاتها، بل بالمضمون الذي نصهره داخلها من أجل أجيال متمكنة من العلوم والتقنيات والمعارف، وقادرة على الاندراج في العصر.
وشئنا أم أبينا، فإن ما يجري اليوم بمجلس النواب، يعد انقلابا على مضامين الدستور، الذي كرس وضعية اللغتين العربية والأمازيغية لغتين رسميتين للدولة، ونص على تعلم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم، كما يعتبر ردة على المرجعية التوافقية للمجلس الأعلى للتعليم بخصوص اللغات، بمعنى التوجه تدريجيا نحو تعزيز اللغات الأجنبية في السلك الإعدادي، خاصة بالنسبة إلى مواد العلوم والرياضيات والتكنولوجيا ليتمكن التلاميذ من متابعة الدروس باللغات الأجنبية في السلك الثانوي التأهيلي.
إن هندسة لغوية بهذا الوضوح، الذي يراعي جميع الحساسيات المكونة للمجتمع، بإمكانها أن تكون محفزا لنقاش عمومي صحي ومنتج، يضع المدرسة المغربية ومستقبل التعليم في صلب الأولويات والمصلحة الوطنية الخالصة، لا استغلال قضايا “جزئية” لتنفيذ ما تبقى من مخطط التخريب والهدم، الذي حول التعليم العمومي إلى “جثة” يُنتظر دفنها إكراما لها.
فكفى من المزايدات… كفى باللعب بالنار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى