ملف الصباح

“حوفار” البيضاء … قاهر الأعداء

«المعذبون في الأرض” هي مجموعة قصصية للكاتب طه حسين، تروي قصص معاناة الفقراء والمعدمين والمرضى، وظلم الحياة لهم.

“الحوفارة” هي الصيغة المغربية للمجموعة القصصية “المعذبون في الأرض”، وبطلها مغربي، ليس إلا أحمد، شاب “بيضاوي” يحمل بين كتفيه هموم الدنيا، ورأسا حبلى بأحاسيس الظلم وغدر الزمان، لا تتوقف عن الدوران في كل الاتجاهات بحثا عن طوق نجاتها ومساعدتها في مصاريف التمدرس والنقل والمواد الغذائية وكبش العيد، وعينان تبرقان، مثل وميض البرق، خاصة حين يدس صديق له يديه في جيبه، ربما يسعفه بورقة مالية زرقاء تنقذ يومه من البؤس.

وعكس أبطال مجموعة طه حسين القصصية الذين يجسدون الحياة المصرية ومعاناة “الفراعنة” في مرحلة الأربعينات، فأحمد حالة فريدة، لا تؤمن سوى بنظريات عالم النفس “فرويد”، ويتلذذ بالحياة، ثم يلعنها، فهو يملك هاتفا ذكيا وحاسوبا وآخر المنتجات الإلكترونية، يستحيل أن يضحي بأحدها، ولو أنه لا يملك درهما واحدا.

يحمل أحمد كل صفات بطل قصص “الحوفارة”، فقد حباه الله بمواهب نادرة، فهو بطل يملك صوتا رخيما وحنونا يستدرج المتعاطفين معه، دون أن يعبأ بمشاكلهم أو انتقاداتهم لمسار حياته، وجسدا نحيفا يقاوم الفقر، ولسانا سليطا يهزم الأثرياء والخصوم.

يروي بطل “المعذبون في الأرض” المغربي قصص حرمانه في دقائق قليلة، فهو جريء إلى درجة البوح بتفاصيل حياته الغريبة والنادرة أمام الغرباء، و لا يأبه بمعاناة الآخرين، بل يستمتع بظلم الحياة له، ثم يأمر المستمعين له، في نهاية القصة، بمبلغ مالي لإنقاذه من ورطة ما.

لا يؤمن أحمد بالاقتراض، فلو سجل ديونه في مجلد ضخم لفاقت حجم ديون صندوق النقد الدولي على المغرب، أو هكذا يتهكم، حين يلاحظ أنه أثقل على أحدهم بطلباته، فهو لا يخجل من الاعتراف.

لا يصنف أحمد ضمن البؤساء، ولا يرضى بهذا اللقب، فهو “حوفار” والفرق، في نظره، بين المصطلحين شاسع جدا، ويشرح الأمر بالمرح، فهو لا يعاني فقر الأفكار، ووَضعه ليس مزريا، لكنه “حوفار” يحفر الأرض بحثا عن الأموال، حتى يضمن العيش.

هو، أيضا، صاحب نكتة، يجذب إليه الانتباه بابتسامته الغامضة، ويبدو أمام أصدقائه الأثرياء مختلفا، فهو منهك القوى، وشارد وشديد التوتر، وفقد كل المناعة التي تحصنه من الشعور والتأقلم مع الثراء، وشخصيته قوية ترهب أعداءه.

لا يمنع الفقر أحمد من خوض أشد الحروب ضراوة، وإن سألت مقربا منه عن أحب شيء إلى قلبه، سيجيب بدون تردد إنه “يتمنى أن يصبح أكثر غنى”… فقد بلغ مرحلة الحرمان، والسنوات الطويلة في العمل جعلته شديد التأثر قادرا على الانتقام من المستهزئين منه.

خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق