fbpx
ملف الصباح

نظرة احتقار

< هل يكفل العمل الحياة الكريمة؟
< العمل هو نشاط يحقق الكثير من المزايا، أولها، أن الإنسان يتمكن من تحقيق ذاته، ويتمكن من الحصول على تقدير. لهذا كانت هناك دوما مفارقة كبيرة بين الإنسان الذي يشتغل والإنسان الكسول والخامل الذي لا يشتغل ولا يقدم قيمة مضافة للمجتمع.  
كما أن العمل يساعد على ترقية المرء وترقية أسرته، ويمكنه من تحقيق رفاه مادي يلبي به حاجياته، من هنا أخذ هاته المكانة في الحياة، إذ لا يمكن أن نتصور مجتمعا لا يشمل نسبا كبيرا من المشتغلين، باعتبارهم أساس التنمية والإبداع كيفما كان نوع العمل.
لكن هذا لا يمنع من القول للأسف، إن هناك الكثير من الناس يكدون ويتعبون دون أن يحققوا من وراء عملهم شيئا، بل على العكس يتسبب لهم في صورة سيئة داخل المجتمع ولا يضمن لهم المكانة التي سبقت الإشارة إليها. أتحدث عمن يمتهنون أعمالا بسيطة، رغم مكانتها وأهميتها، إلا أنها لا تحقق لصاحبها الرضى، وكثيرا ما لا يقبل على نفسه امتهانها، ويرى أنه في أسفل السافلين في قائمة العمال، من قبيل عاملات البيوت، والإنعاش الوطني والنظافة، وعمال المناجم، علما أن هؤلاء الأشخاص اختاروا الاختيار الصعب، وقبلوا بأعمال رغم "وضاعتها" وقلة مردودتيها، بدل اختيار الانحراف أو الإجرام أو التسول.  

< كيف ينظر المجتمع لعمال يمكن القول إنهم من الدرجة الثانية يشتغلون في ظروف غير لائقة وأجورهم زهيدة؟
< تنطلق النظرة أولا من الشخص العامل لنفسه، فهناك من يفتخر بعمله ويعتبر أنه يؤدي واجبه، حتى وإن كان يحس أنه مغبون ومظلوم، لكنه مقتنع بواقعه، لكن نجد أطرافا أخرى تنظر إليه نظرة ازدراء، وقد يتحول أحيانا إلى شتيمة مثل "ابن الزبال أو الطراف.."، مثلا. الشتيمة تطول أساسا، الأبناء الذين يتعرضون إلى الوصم في مؤسسات التعليم، وداخل الحي، وبين المعارف، علما أن الأمر لا يتوقف عند الأطفال بل يمتد إلى الكبار، كما يحدث مع عاملات البيوت، فنحن نعلم كيف تنظر ربات البيوت إليهن، وكيف ينظر أرباب العمل ويتعاملون مع المستخدمين البسطاء. فللأسف هناك ، نظرة احتقار واستصغار، لذلك من الضروري العمل في هذا الاتجاه وتغيير هذه النظرة، لأنه لو تم التخلي عن الأعمال التي نقوم بها هذه الفئة، لاستحالت الحياة بشكلها الراهن، فكيف يمكن الاستغناء عن عمال النظافة أو البناء، أو المناجم، أو خادمات البيوت؟

< هل المستوى التعليمي والانتماء الطبقي أهم مسببات القبول بعمل غير لائق أم أن هناك مسببات أخرى؟
< هناك تراتبية معينة في المجتمع، تفرق بين عمل يدوي وفكري. صحيح ّأن العمل الفكري يبوئ صاحبه مكانة مرموقة داخل المجتمع عكس الأول، على اعتبار أن الكثير من الأعمال اليدوية لا تضمن الحياة الكريمة، التي تكفل بالتالي الاحترام اللازم داخل المجتمع.
كما أن الطبقية والتراتبية الاجتماعية تتحكمان، وهذا ليس بجديد على المجتمع المغربي، فهناك عائلات تكون ضعيفة أبا عن جد، كما هناك عائلات تكون إما عالمة أبا عن جد أو ثرية أبا عن جد.
لكن في نظري أن الحاجة هي أيضا محدد أساسي في القبول بأعمال غير لائقة في حالة فقدان المعيل إما بسبب الوفاة، أو غيرها، ما يحتم القبول بأعمال تلحق بصاحبها الكثير من الإهانة، كما أن الفقر والأمية، والانقطاع عن الدراسة، تقلل هي الأخرى حظوظ الشخص في الحصول على أعمال مناسبة.
* (أستاذ باحث في علم الاجتماع)
أجرت الحوار: هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى