افتتاحية

موريخا وبنكيران

في غشت الماضي، تقدم خوسيه موريخا، رئيس أوروغواي السابق (84 سنة)، بخطى متثاقلة إلى منصة رئاسة مجلس الشيوخ، وسلم الرئيسة (التي ليست سوى زوجته لوسيا توبولونسكي- 73 سنة)، ظرفا مغلقا تبين في ما بعد أنه يضم رسالة استقالة من عضويته بالمجلس نفسه، ومعها ورقة صغيرة كُتب عليها “بالنسبة إلى راتب تقاعدي، أتنازل عنه، لم أعد في حاجة إليه”.
غادر خوسيه البناية الكبرى، وركب السيارة نفسها من نوع فولكسفاغن “خنفساء” طراز 1987 التي وصل بها إلى قصر الرئاسة في 2010، ثم توجه إلى مزرعته الصغيرة على مشارف مونتفيديو، حيث يعيش حياة بسيطة وسط الحقول، يزاول مهام الزراعة والري والرعي ويقود جراره بنفسه، بعد تبرعه بجزء كبير من أمواله ورواتبه الرئاسية، على مدى 5 سنوات، إلى الأعمال الخيرية.
لم يلتفت هذا الشيخ الشيوعي (الذي ناضل على جميع الواجهات وحمل السلاح وآمن بالتغيير الجذري والإصلاح معا، حتى وصل سدة الحكم في أعقد نظام سياسي بأمريكا الجنوبية) إلى الوراء ولم يمد يده إلى مقدرات الدولة، أو ابتز الناس والدولة بفقره وحاجته وفراغ حساباته البنكية، ولم يمن على الشعب بأنه اشتغل خمس سنوات في منصب رئاسة الحكومة، أو طلب مكافأة أو أُعطية عادية أو استثنائية.
عاش موريخا كريما وشريفا مستنيرا بمبادئه وقناعاته، ثم استقال حين شعر أن الجسد لم يعد يسعفه في الاستمرار والتحمل، لكنه التزم بواجب التضامن والعمل الذي لا يمكن لمناضل أن يستقيل منه مدى الحياة.
للأسف.
فحين كان التاريخ يدون هذا الدرس البليغ القادم من الأوروغواي، كان في الوقت نفسه يكتب أسوأ صفحة في تاريخ مسؤول بالمغرب، لم يتنازل عن امتيازات رئيس حكومة (سيارة وسائق وتعويضات وأمن خاص..)، بل طلب تقاعدا آخر بكل شروط الراحة والاستثناء، حتى لا يستمر في البكاء والنحيب وادعاء الفاقة و”التشحتيت”.
بدا “رجل الدين والتقوى” في صورة بئيسة تدعو إلى الشفقة، وهو يبرر استيلاءه على شيء لا يستحقه، أو لنقل إنه تبرير للحصول على أموال الشعب، بدعوى أنه “خدم” هذا الشعب، حين كان رئيسا للحكومة بين 2012 و2016.
لم يحدث في تاريخ المغرب أن وصل مسؤول إلى هذا الدرك السحيق من قلة العفة و”النفس”، كما فعل بنكيران الذي لم يتردد في تشبيه نفسه بالبغل والحمار وإفشاء أسرار أسرته وخبايا حساباته البنكية و”مصروفه” اليومي، من أجل الحصول على هبة استثنائية من القصر، فكان له ذلك، علما أن الرجل كان يمكن أن يستفيد (على نحو قانوني) من راتب تقاعد رئيس حكومة!!
حتى الماضي القريب، كان وزراء ومسؤولون حكوميون يتعففون عن مد أياديهم إلى أموال غير مستحقة، إذ رفض عبد الله إبراهيم، ثاني وزير أول في المغرب، طلب الملك الراحل بتخصيص مرتب استثنائي له، واكتفى بمنصب أستاذ جامعي مدى الحياة يشتغل فيه بعرق جبينه، كما تعفف عبد الرحمان اليوسفي (رغم وضعيته الاجتماعية)، ولم يقبل ذلك إلا على مضض، بعد أن عُرضت عليه ولم يطلبها لنفسه.
كان ممكنا للأمين العام السابق للحزب الإسلامي ألا يفعل، إسوة بالآخرين.
لكنها النفس الأمارة بالطمع!!
أو إنه الفرق، بالضبط، بين موريخا وبنكيران.
بئس التاريخ..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق