منبر

إقحام الدين في التشريع تنقيص منه

العلام قال إن داعش هي الوحيدة التي تطبق الإسلام حرفيا

قال الباحث عز الدين العلام إنه يجب إبعاد الدين عن مجال الحياة العامة احتراما له. واستعرض أستاذ العلوم السياسية مختلف الجوانب التي يصطدم فيها الدين بالقانون وأشياء أخرى تجدونها في الحوار التالي.

< هل يستقيم الحديث عن تطبيق الشريعة في منظومة القانون في العصر الحديث؟
< هذا السؤال يطرح بشكل مباشر العلاقة بين الدين والقانون، وهذا المشكل بالذات يتضمن العديد من الأغاليط، لأن هناك اختلافا جوهريا بين الدين والقانون، لأن الدين إحساس يقوم على الإيمان والمطلقات، بينما القانون نسبي بشري يتغير حسب المكان والزمان. كما أنه لا يجب أن نخلط بين الدين والشريعة، لأن الدين أعم من الشريعة، وأن هؤلاء الذين يقدسون الشريعة إنما يحاولون أن يفرضوا أحكامها المستمدة من اجتهادات فقهاء حسب شروطهم المكانية والزمانية التي لم تعد تتطابق مع شروطنا الحالية.

والسؤال الذي أعيد طرحه في هذا السياق: هل يمكن تطبيق الشريعة في القانون؟ أو ما هي الأحكام التي يمكن إدراجها فيه؟، ومن خلال قراءاتي في بعض الكتب المتعلقة بالسياسات الشرعية، اتضح أن أحكام الشريعة تخص بالأساس العبادات والمعاملات، ويمكن القول، بشيء من الاحتياط، إنها أقرب إلى ما نسميه اليوم «القانون الخاص» منها إلى «القانون العام»، فهولاء الذين ينادون اليوم بتطبيق الشريعة نقول لهم أي أحكام سنطبق فهذا الكلام مجرد حديث عام ولا معنى له.

< بالعودة إلى القانون المغربي خاصة الجنائي الملاحظ أنه يتخذ طابعا مدنيا ووضعيا بل و"تعطيلا" للشريعة في العديد من جوانبه بدرجات متفاوتة، لكن في المقابل هناك إصرار على إخضاع مدونة الأحوال الشخصية وكل ما يخص المرأة للفقه الإسلامي؟
< أحمد الله وأشكره على أن المغرب لا تطبق فيه الحدود، من قبيل قطع يد السارق أو جلد الزاني أو التعزير والرجم، لأن كل هذه المسائل أصبحت محظورة قانونيا وتشكل اعتداء جسديا على البشر، فالقوانين في العصر الحديث اتخذت بعدا آخر يتجاوز الاعتداء الجسدي، وتطبيق الحدود الإسلامية بحذافيرها لا يوجد فقط إلا عند «داعش» فهم في هذا المجال يصعب المزايدة عليهم لأنهم يطبقون حرفيا ما يوجد في النصوص القرآنية.

وبالعودة إلى القانون المغربي نجد أن مجال الأحوال الشخصية هو بامتياز هو المجال الذي ما زالت تحكمه الأحكام الشرعية خاصة الزواج والطلاق والأنكحة والمواريث والنفقة والأسرة وغيرها، وهنا أستعيد ما حدث في بداية الألفية الثالثة بالمغرب حين أثير نقاش حاد حول «خطة إدماج المرأة في التنمية» بعد أن انقسم المغرب إلى فسطاطين، حداثي ومحافظ تمخضت عنهما مسيرتان بالرباط والبيضاء، وكانت مطالب الحركة النسائية المغربية تركز على تجاوز الطابع الغالب في مدونة الأحوال الشخصية الذي يحط من شأن المرأة، خاصة في مجالات الإرث وتعدد الزوجات لأنها أصبحت في حكم البداهة.

< وماذا عن الذين ينادون بطبيق الشريعة لأنها قطعية؟
< هؤلاء الذين يرفضون تغيير هذه الأحكام بدعوى أن أمرها يتعلق بآيات قطعية، لماذا لا ينتبهون إلى أن هناك عشرات الآيات القطعية تم تجاهلها لأنها لم تعد نافعة ولم يعد لها موضوع، مثل أحكام الرق والعبودية وملك اليمين وأهل الذمة، فهذه الآيات يصلي بها المسلم لكنه لم يعد يعمل بها. فاحتراما للنص القرآني يجب إبعاده عن دائرة المجال العام، فإذا كان القرآن هو كلام الله، فتقديرا له، لا يمكن أن يتضمن قواعد قانونية كيفما كان نوعها، لأنه قد يحدث أن هذه القواعد لم تعد تتلاءم مع حركة التاريخ كما حدث في الأمثلة السابقة، فتكون منقصة في حق النص الديني لا تليق به، فالدين والإيمان لهما منطقهما الخاص كما أن للسياسة والتشريع منطقهما الخاص المرتبط بالعقل والمنفعة العامة والمتغيرات التي يخضع لها المجتمع البشري عبر التاريخ.

< الإقرار المغربي بسمو المواثيق الدولية وفي الوقت نفسه الإبقاء على بعض الثوابت والخصوصيات ألا يعتبر نوعا من الازدواجية؟
< أكبر كذبة وأكبر مفارقة أشاهدها يوميا، هو القول إننا نجمع بين الأصالة والمعاصرة والتحديث، فهذا الجمع يكون فقط بتركيب الجمل لغويا، أما من الناحية العملية، وأتحدث هنا عن الشأن العام، فإما أن نكون تراثيين مشدودين إلى الماضي، أو عقلانيين مؤمنين بحركة التاريخ والمنظومات التي أفرزتها والقائمة على الحريات والحقوق والديمقراطية والإنصاف والمساواة والعقل والعلم والتجريب والتقنية. أما الحياة الشخصية للأفراد فهي تظل ملكا لهم، فالنسبة إلى المغربي لا عيب أن يكون المرء مهندسا ويؤدي صلاته أو يرتدي الجلباب أو يتناول الكسكس، لأن ذلك جزء من ثقافته الخاصة وهويته التي تظهر عبر أشكال ثقافية تميز كل شعب عن الآخر، لكن في مجال الحياة العامة مثل السياسة والإدارة أو تدبير الشأن العام فكل هذا لا علاقة له بالتراث. فماذا نفعل عندما يتعارض بين القانون وحكم ديني، هل نغض الطرف عن هذه القوانين ونرتكن إلى أحكام فقهية صاغها رجال انتهوا مع التاريخ، أم نستخدم العقل وما تقتضيه المنفعة العامة وسيرورة التاريخ والمجتمع بما يدفع بنا إلى الأمام؟

< ما الجواب إذن؟
< ما اجتمع الدين والدولة إلا وكان الاستبداد ثالثهما، لأن من يتحدث باسم الدين ويزعم أنه يحتكره لا يمكن أن تعارضه لأنه سيزعم أنك تعارض الإله والمطلق، فلا بد من إبعاد الدين من دائرة الحياة العامة، ولا يعني الإبعاد المحاربة، لأن محاربة الدين فكرة بليدة لا توجد حتى في أعتى الدول العلمانية، ففي أوربا أو أمريكا تمول الكنائس من المال العام، ولكل دولة تجربتها الخاصة مع الدين دون أن يعني ذلك أن له دورا في نطاق السياسات العامة التي لها منطقها الخاص.

مساحيق دينية أو أخلاقية

< ما هي مكانة الدين في الدولة الحديثة؟
< أفضل أن أتحدث هنا عن التجربة المغربية، فمثلا هناك فصل دستوري يقر بمنع تأسيس الأحزاب على أساس ديني وهذا شيء إيجابي، وإن كان يصعب ضبط هاته المسألة، فلا أحد يشك أن حزبا مثل العدالة والتنمية يستغل الدين، ولولا هذا الاستغلال لما كان له كل هذا الصدى. فالإسلاميون في المغرب لهم وجهان، وجه يشتغل ليلا ووجه يشتغل نهارا، واحد يزعم أنه ليس ضد خلع الحجاب وأنه مع الحياة المدنية، ووجه آخر يدغدغ مشاعر الجموع بالأحاديث النبوية وما فعله الصحابي الفلاني، فهذه السلوكات يكون لها تأثيرها في مجتمع ضعيف، مثل المغرب يسهل فيه امتطاء الدين لتحقيق مآرب بعيدة عنه.

لكن في المقابل ينتصب سؤال آخر: هو كيف للدولة عن طريق مؤسسة إمارة المؤمنين أن تستعمل الدين وتمنعه عن الآخرين؟ فيكون الجواب أن لجوء الدولة إلى الدين هو أقل تواترا من استغلال الحركات الإسلامية، فلا تقحمه في كل شيء، فما يحكم الدولة في المغرب هو منطق السياسة والمنفعة العامة، والدولة بطبيعتها مشدودة إلى البراغماتية، وإذا كانت تتكئ في لحظات على الدين فلضعف فيها ومتى تمكنت من مأسسة نفسها ستتمكن من تجاوز هذا الضعف لتكفي ذاتها بذاتها دون اللجوء للظهور أمام المواطنين بمساحيق دينية أو أخلاقية، وهذا النقص الذي يعتري الدولة في هذا الجانب إنما هو انعكاس للنقص في المجتمع نفسه.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

في سطور

ـ حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية.
ـ يشغل أستاذا بجامعة الحسن الثاني بالبيضاء.
ـ عضو مؤسّس للجمعية المغربية للعلوم السياسية، وعضو هيأة تحرير مجلة «أبحاث» للدراسات الاجتماعية ودورية «دفاتر سياسية».
ـ شارك في ندوات محلية ودولية، له عدة أبحاث ودراسات ومقالات تبحث في العلاقة المعرفية بين الديني والسياسي، من بين ما صدر له كتاب «الآداب السلطانية» و«تحرير الكلام في تجربة الإسلام» و«النصيحة السياسية: دراسة مقارنة بين آداب الملوك الإسلامية ومرايا الأمراء المسيحية»، وترجم أعمالا منها: «الإيديولوجيا الباردة».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق