fbpx
ملف الصباح

من الوهابية إلى الداعشية

تميز الإسلام المغربي، منذ قرون خلت، بالتسامح وضمان التعدد الفكري والديني، إذ كان المسلمون واليهود والنصارى يعيشون في ظل الاحترام المتبادل، قبل أن يتبنى المغاربة فكرا راديكاليا قادما لهم من المشرق العربي، وهدفه صد تغلغل التيار الشيوعي الاشتراكي في المدارس والجامعات. وهو ما فتح المجال لتيار ديني متزمت لعب فيه عبد الكبير العلوي المدغري، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق، دورا كبيرا، بعد أن مهد لولوج التيار الوهابي الآتي من المملكة العربية السعودية، والذي برز بداية الثمانينات، لصد التيار الماركسي اللينيني الذي كان يهدد أركان النظام السياسي بالمغرب.

واستطاع المدغري، رفقة الدكتور عبد الكريم الخطيب، عراب حزب “العدالة والتنمية”، نسج علاقات وطيدة مع السعودية التي أغدقت الأموال ووزعت الكتب وتفاسير القرآن حسب هواها، ودربت أئمة ومرشدين دينيين، فأغلقت السلطات معهد السوسيولوجيا في 1973، الذي كان يديره المفكر عبد الكبير الخطيبي، خوفا من حدوث تحول مجتمعي يطالب بمزيد من الحقوق، ومنعت تدريس الفلسفة في الجامعات وحاصرتها، وفرضت تدريس شعب الدراسات الإسلامية، ولذلك انتشرت الدعاية الوهابية السعودية في صفوف الشبيبة الإسلامية المحظورة، التي ترأسها عبد الكريم مطيع، الهارب من العدالة بعد عملية اغتيال الاتحادي اليساري عمر بن جلون في 1975، والتي خرجت من رحمها جماعات دينية كثيرة.

وطبق الإسلاميون في بداية عملهم ما أرادته الدولة وأجهزتها الأمنية، إذ تم حشدهم لمحاربة اليساريين، ثم الغزاة في أفغانستان لطرد الاتحاد السوفياتي الملحد، وذلك بدعم من الإدارة الأمريكية ومخابراتها، ومن البنتاغون، ومن هناك تم تدريب مقاتلين مغاربة على حمل السلاح وصناعة المتفجرات التقليدية وقطع الرؤوس، وتشكل أول جيل من المغاربة الأفغان، مثل باقي الدول العربية، إذ تم استعمال هؤلاء الشباب حطب وقود نار حرب أمريكية سوفياتية بأموال ودعم سعودي.

وبعد أن تشبع المغاربة بالفكر الوهابي، إضافة إلى “الفكر” الأفغاني، بعد تأسيس حركة طالبان، وتنظيم القاعدة، تم غسل أدمغة شباب الجماعات الدينية، وتوجيههم على أن العدو لم يعد فقط سوفياتيا بل أضحى أمريكيا لأنه ولج تلك الأرض الذي لا تنتج سوى المخدرات، ثم عمم المتطرفون تصورهم لشن الحرب على كل من يختلف عنهم بما في ذلك الحركات الإسلامية المعتدلة، في إطار جماعات دينية منحرفة من السلفية الجهادية التي قامت بأعمال إرهابية لقتل المواطنين، والجماعة الإسلامية المغربية المقاتلة التي كانت تنشط خارج المغرب، إلى تنظيم “داعش” المحدث أخيرا، بعد إسقاط نظام صدام حسين في العراق وانتشاره في سوريا ودول إفريقيا جنوب الصحراء، فانضم إليه كل المنحرفين والذين يعانون عقدا نفسية، كي يمارسوا هواية قطع الرؤوس بطريقة بشعة بمبرر ديني تمت قراءته بطريقة منحرفة.

تفريخ السلفية

قال الدكتور إدريس الكنبوري، الخبير في تفكيك خطاب الجماعات الدينية المتطرفة ل” الصباح”، إن احتضان الفكر الوهابي بالمغرب كان في ظل ظروف عالمية، بحكم انتمائه إلى محور الولايات المتحدة وقربه من المملكة العربية السعودية، مضيفا أن الإدارة الأمريكية كانت تريد محاربة الشيوعية بتوظيف الوهابية السعودية في الصراع الإيديولوجي مع الاتحاد السوفياتي.

وأوضح أن الوهابية بالمغرب كان لها دوران مختلفان، الأول مسايرة السعودية والولايات المتحدة على الصعيد الدولي، والثاني محاربة المد اليساري ثم الحركة الإسلامية بالداخل.

وأكد الكنبوري أن الوهابية لم تلعب فقط دورا في محاربة الشيوعية، بل لعبت دورا في تفريخ السلفية الجهادية، التي هي بنتها الشرعية، واتضح في 2014 أن “داعش” هي طبعة ثانية لهذا التيار الديني المتطرف، لأن الفكر الداعشي يرتكز على الأدبيات نفسها التي تستند عليها الوهابية، لكن مع قراءة جديدة لها غير تلك القراءة التي كانت تقدمها المدرسة الرسمية التقليدية للوهابية في السعودية.

أحمد الأرقام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى