fbpx
مقالات الرأيملف الصباح

النموذج المشرقي اخترق حقلنا الديني

الباحث منتصر حمادة قال إن “داعش” ليست سوى الجزء الظاهر من جبل الثلج الإسلاموي

قال الباحث منتصر حمادة إن المغرب تورط في فتح الباب للمشاريع الإسلامية الحركية، كما تحدث عضو مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث عن مجموعة من القضايا المتعلقة بإعادة الحقل الديني وتواضع مؤشرات تجديد الخطاب الديني، معتبرا أن فعل العنف يترجم فكر العنف، وأن داعش ليست سوى الجزء الظاهر من جبل الثلج الإسلاموي. في ما يلي نص الحوار:

< هل يمكن القول إن المغرب ارتكب خطأ تاريخيا بفتح ذراعيه للفكر الأصولي في ثوبه الوهابي، أم أن تغلغل التطرف نتيجة حتمية لعوامل أخرى؟
< حسابات الأمس مختلفة عن حسابات اليوم، وما هو مؤكد أنه لو أن صناع القرار بالأمس، كانوا يتوقعون أن تكون بعض نتائج ما اصطلحنا عليه بـ"استيراد التديّن المشرقي" إلى المغرب، ستفضي إلى هذه الظواهر الدينية الشاذة التي يمر منها المغرب، ما كانوا ليتورطوا في ذلك قط، ولكن شاءت الظروف أن يتورط المغرب في فتح الباب للمشاريع الإسلامية الحركية، من سلفية وإخوان، في العمل الدعوي والوعظي، بل تطور الأمر لاحقاً حتى إلى العمل السياسي.

ما اصطلح عليه بإعادة هيكلة الحقل الديني، ابتداءً من عدة مؤشرات، كانت إحداها تعيين وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وانطلاقاً على الخصوص من محطة أبريل 2004، أي حوالي سنة بعد اعتداءات الدار البيضاء الإرهابية، يُترجم اعترافا رسميا بأن الحقل الديني يمر من مشاكل حقيقية، لعدة أسباب، منها موضوع "استيراد التديّن المشرقي"، ومنها أسباب أخرى، كتواضع مؤشرات تجديد الخطاب الديني في القنوات العلمية/ الدينية والجامعية، بل إن الجامعة المغربية تعج بالخطاب الإسلامي الحركي حتى في شعبة الفلسفة، فالأحرى في كليات أصول الدين أو باقي الكليات، إضافة إلى أسباب أخرى، تقتضي منا اليوم، التفكير الجماعي في إطلاق نسخة جديدة ولا مفر منها، من مشروع إعادة الهيكلة سالف الذكر، على غرار ما نُعاينه مثلاً في مشروع "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، التي تمر من أجيال في التفعيل، وهذا هو المطلوب اليوم مع الحقل الديني، وبشكل ملح أكثر من السابق.

< هل يمكن أن نتحدث عن مستويات لتغلغل الفكر الداعشي؟
< إنها مسؤوليات متشابكة، منها ما هو خاص بنا، أي واقع الأزمنة البنيوية التي تطال الحقل التعليمي والحقل الإعلامي، إضافة إلى حقول أخرى، وفي مقدمتها الحقل الديني الذي تعرض لاختراقات كبيرة من التديّن المشرقي، إلى درجة أن تديّن مغاربة العقود الماضية، يبدو أكثر انفتاحا وتسامحاً مع تديّن العديد من مغاربة اليوم (لنتأمل جديا بعض الظواهر الشاذة التي لم نكن نسمع عنها من قبل، منها ما يُصطلح عليه ب"لجان المساجد" في مؤسسات علمية رصينة (هندسة، معمار، طلب.. إلخ)، منها فورة "الرقية الشرعية"، انتشار "الدعاة الجدد" المشارقة، كما لو أن المغرب، أرض الأولياء والصلحاء والعلماء، تعاني خصاصا في الخطاب الوعظي.

هذا عن الأسباب المحلية الخاصة بنا هنا في المغرب. وعلينا بالطبع، إضافة الأسباب الخارجية أو الموضوعية، وتهم أداء الفضائيات وشبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، نقصد المضامين الدينية في الثورة الرقمية وثورة الاتصالات التي تمر منها المنطقة العربية، والتي تندرج، كما هو معلوم، في إطار تصدير مشاريع دينية مشرقية (سلفية وهابية، إخوان، شيعة..
)، ولو أنه مع تصدير التديّن السلفي، هناك مستجد، يبعث على التفاؤل، ويكمن في اعتراف صناع القرار هناك، بأنهم أخطؤوا في السياسات المتبعة منذ عقود، وأنه آن الأوان لتعديل وإصلاح ما يمكن إصلاحه، كما نُعاين مثلاً في المبادرات الصادرة خلال السنوات الأخيرة في السعودية.

< الملاحظ أن الفكر المتطرف في المغرب انتقل من مرحلة التحريض والشحن إلى التنفيذ واستهداف الأشخاص والمؤسسات ما تعليقكم؟
< لنتوقف عند بضع مُسلمات نظرية ومعلومة عند الجميع، منها مثلاً أن الفعل العنفي يُترجم فكر العنف، وأن أي فكر عنيف، يمكن أن يتحول إلى فعل عنيف ابتداءً من اللحظة التي يتحكم فيها بزمام الأمور، وهذا ما جرى مثلاً مع الظاهرة "الجهادية" في أي مكان احتلته، كما هو الحال مع الظاهرة "الداعشية"، حيث قامت بما يسمى "تطبيق الحدود"، وهدمت مزارات الأولياء والصلحاء، وأعدمت المخالفين، ومؤكد أنه لدينا في المجتمع المغربي من يؤمن بما يؤمن به هؤلاء، ولكنهم لا يتحكمون عملياً في التدبير السياسي، وإلا طبقوا ما يؤمنون به، بشكل أو بآخر، لذلك ليس صدفة أن العقل الإسلامي يعادي المدونة القانونية في الدولة الوطنية، لأنها مدونة تعيق تحقيق أهدافه الإستراتيجية (إعلان "دولة الخلافة"، تطبيق الشريعة، إقامة الحدود…).

على صعيد آخر، كلما كان هناك تساهل مع الخطاب الديني المتشدد، كلما حظي هذا الخطاب بالانتشار والترويج لدى الرأي العام، بما يقتضي يقظة مستمرة ونوعية، وتعامل بذكاء وتبصر، وليس بمراهقات في الفكر والسلوك والتفاعل.

< من موقعكم ما هي المقاربات الكفيلة بمواجهة تغلغل الفكر الداعشي؟
< لو توقفنا عند المعني في السؤال، أي الفكر "الداعشي"، الذي ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الثلج الإسلاموي، فهناك إجماع على أن المواجهة يجب أن تكون شاملة، تتضمن الجانب الأمني والجانب الديني والجانب المعرفي والجانب الاقتصادي وغيره، وباعتراف المؤسسة الأمنية المغربية، كما عاينا ذلك مراراً في تصريحات مسؤولين، صدرت في وسائل الإعلام، المقاربة الأمنية جزء من هذه المقاربة الشاملة، وعلى باقي المتدخلين تحمل مسؤوليتهم في المواجهة، بما يتطلب طرح سؤال غائب أو طابو بتعبير أدق: هل يتحمل باقي الفاعلين مسؤوليتهم الأخلاقية والتاريخية في المواجهة أم لا؟

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

في سطور:
ـ باحث في الشأن الديني
ـ عضو مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث بالرباط
ـ رئيس تحرير مجلة "أفكار"
ـ له العديد من الإصدارات منها: "قراءة في نقد الحركات الإسلامية" و"المسلمون وسؤال تنظيم القاعدة" "في نقد تنظيم القاعدة: مساهمة في دحض أطروحات الحركات الإسلامية الجهادية"، و"زمن الصراع على الإسلام"، و"الوهابية في المغرب"، و"في نقد العقل السلفي: السلفية الوهابية في المغرب نموذجاً" و"الإسلاميون المغاربة واللعبة السياسية"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى