fbpx
حوادثمقالات الرأي

مسوغات قاضي التحقيق في ملف آيت الجيد

متابعة حامي الدين صحيحة ومستندة للشرعية والمشروعية (الحلقة الخامسة)

بقلم: ذ.محمد مسعودي *

قضت محكمة النقض في المعنى نفسه، بموجب قرارها عدد 163-10 المؤرخ في 28/01/2009 ملف جنحي عدد 17002-6-1 -08 (منشور بمجلة قضاء محكمة النقض في المادة الجنائية للدكتور عمر أزوكار ص 12).

“أنه لتحديد سبقية البت ومدى إلزامية المحكمة بسقوط المتابعة، يتعين الركون إلى الفعل، موضوع المتابعة لا إلى تواريخ المحاضر المحررة للواقعة”
فهذا القرار كما يلاحظ على مستوى صياغته، أقام تفرقة على المستوى الاصطلاحي بين (الفعل) نشاطا ماديا صادرا عن المتهم وبين الواقعة الإجرامية ككل.

وحيث ينبني على ما ذكر، ضرورة الإقرار بأن المعيار المعول عليه لتحديد ما إذا كانت الوقائع المزمع المتابعة بشأنها هي نفسها موضوع الحكم بالبراءة أو الإعفاء، وبالتالي انتفاء المتابعة بشأنها من جديد، ولو احتملت تكييفات قانونية أخرى، أن يتعلق الأمر بالأفعال نفسها الصادرة عن المتهم. أما إذا تبين في ما بعد صدور الحكم واكتسابه حجية الشيء المقضي به وجود أدلة على صدور أفعال وأعمال أخرى عن المتهم غير التي حوكم من أجلها، فيجوز حينئذ المتابعة من أجل هذه الأفعال، ولا مجال لإعمال مقتضيات المادة 369 من قانون المسطرة الجنائية أو الدفع بسبقية البت طبقا للمادة 4 من القانون نفسه.

وهذه النتيجة هي وحدها الكفيلة بتحقيق العدالة وعدم الإفلات من العقاب، وبالتالي فإنه بالرجوع إلى نازلة الحال، يتضح أن الأمر بالإحالة الصادر عن قاضي التحقيق في مواجهة المعني بالأمر، بني على ثبوت ارتكاب هذا الأخير أفعالا وأعمالا جديدة، لم تكن ماثلة وثابتة في القضية التي صدر بشأنها الحكم الجنائي الأول 1993، والتي لم يكن هناك حينها أي دليل يؤكد ثبوتها، وإلا ما تمت مؤاخذة المعني بالأمر من أجل جنحة فقط، أما وقد ثبت الآن لقاضي التحقيق وجود دليل جديد مستند على تصريحات شاهد أدلي بها في قضية معروضة على غرفة الجنايات الابتدائية بفاس بتاريخ لاحق على الحكم الأول المذكور، وبالضبط في 26 دجنبر 2016 يتعلق فحواها بقيام المعني بالأمر بوضع رجله على رأس المجني عليه والمساهمة في قتله عن سبق إصرار وترصد، وبالتالي فإن إجراءات متابعة هذا الأخير والتحقيق معه والأمر بإحالته على غرفة الجنايات الابتدائية بناء على ما استجد من أفعال وأعمال صادرة عن المتهم غير التي حوكم من أجلها، تبقى صحيحة ومستندة للشرعية والمشروعية ولا مجال للدفع بسبقية البت، وإعمال مقتضيات المادة 369 من قانون المسطرة الجنائية لانتفاء شروطها.

وحتى نقرب الصورة أكثر، نضرب مثالا قريبا من النازلة، ونفترض أنه في 1993 عثر على ضحية هتك عرض واغتصاب مضرجة في دمائها لفظت أنفاسها متأثرة بجراحها والعنف الذي طالها أثناء ارتكاب الجريمة لعدم إسعافها في الوقت المناسب، وبعد البحث تبين أن “عمر” كان حاضرا بمكان الجريمة، وشاهد المجني عليها أثناء الاعتداء عليها من قبل جانيين مجهولين، تمكنا من الفرار لحظتها ولم يسعفها، وبناء على هذه المعطيات تمت متابعة سالف الذكر من أجل جنحة الإمساك عمدا عن تقديم مساعدة لشخص في خطر طبقا للفصل 431 من القانون الجنائي، وصدر حكم بمؤاخذته ب6 أشهر حبسا نافذا اكتسب قوة الشيء المقضي به، غير أنه في 2016 ظهر شاهد يتوفر على تسجيل مرئي للواقعة، وتبين أن صاحبنا “عمر” المحكوم عليه كان من ضمن الجناة الذين واقعوا المجني عليها واغتصبوها، وهتكوا عرضها حسب الظاهر من تسجيل الشريط، فهل يصح القول هنا بأنه لا تجوز متابعة المعني بالأمر من جديد على أساس ارتكابه جنايات المساهمة في هتك العرض بالعنف والاغتصاب بالاستعانة بشخصين، والقتل العمد المسبوق بجناية طبقا للفصول 485 و486 و487 و392 من القانون الجنائي، لأنه صدر في حقه حكم –ولنفترض أنها البراءة أيضا وليست فقط الإدانة- حاز قوة الشيء المقضي به من أجل الفعل نفسه ؟

وهل من العدالة في شيء أن نسمح في هذه الحالة لمغتصب وقاتل، بأن يظل حرا طليقا في منأى عن العقاب؟ وماذا عن آلام ومعاناة ذوي حقوق المجني عليها المستمرة في الزمان؟
الجواب بداهة بالنفي، فلا المنطق القانوني، ولا حتى الفطرة السليمة يسمحان بذلك، لأن الأمر يتعلق بفعل جديد يخرج عن نطاق تطبيق مقتضيات المادة 369 من (ق م ج) كما تم شرح ذلك بتفصيل أعلاه.

ناهيك عن أن دستور المملكة الجديد في فصله 110 أصبح يفرض على القضاة المعنيين بإنفاذ القانون، التطبيق العادل للقانون، وهو ما يعني النفاذ إلى روح القانون وجوهره وتطبيقه على نحو يحقق العدل وليس شيئا آخر.

وفي السياق نفسه، يضرب لنا الدكتور عبد الواحد العلمي مثالا قريبا، بحالة الشخص الذي يبرأ بعد متابعته بسرقة منقولات معينة طبقا للفصل 505 من القانون الجنائي، وبعد انبرام الحكم يتابع من جديد عن إخفائه للأشياء ذاتها باعتبارها متحصلة من السرقة طبقا للفصل 571 من القانون الجنائي، حيث تكون البراءة السابقة حسب نظر أستاذنا الجليل غير مانعة من نظر الدعوى الجديدة القائمة على سبب مختلف عن السبب الذي أقيمت عليه الدعوى الأولى التي فصل في موضوعها بكيفية مبرمة.

*أستاذ باحث في صف الدكتوراه
عضو الودادية الحسنية للقضاة
المكتب الجهوي بالدار البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق