fbpx
ملف الصباح

“خـالـقـات” السـعـادة

ضمنهن مضيفات ومستخدمات استقبال وبارميطات

ليس بالضرورة أن تكون سعيدا حتى «تخلق السعادة» وتوزعها، مثل باقات ورد، على المارة والعابرين ووسط الحانات والملاهي والفنادق وفي المقاهي والمحلات التجارية الكبرى، أو على متن القطارات والطائرات، أو في الحفلات الخاصة.

على العكس تماما، يمكن أن تميل الحياة بظهرها نحوك، وتكشر «الظروف» في وجهك، لكن «وظيفتك» التي تتقاضى عليها أجرا في نهاية الشهر، هي أن تُسعد الآخرين وتبسطهم وتفرحهم وتبتسم لهم وتخدمهم، دون أن يشعروا أنك أتعس إنسان على الأرض (في تلك اللحظة على الأقل) أو يظهر على محياك أنك تمر بأزمة نفسية واجتماعية.

في كثير من المهن التي لها ارتباط بالاستقبال والخدمة الفندقية، وبعض المهن الأخرى، خدمة صناديق الأداء في المراكز التجارية الكبرى، أو حتى في مهن الطيران، «يتمرن» الموظفون (الموظفات) على قواعد «إيتيكت» قاسية، لخلق أجواء من السعادة والمرح، إرضاء للزبون (ملك المكان) الذي قد يغضب لأي تصرف غير لائق ويغادر إلى غير رجعة، بل يحرض آخرين على عدم المغامرة بولوج الفضاء ذاته، أو طلب خدماته الـ»تعيسة».

وتحول «خلق» السعادة إلى «إتيكيت» (فن التعامل مع الآخر) قائم الذات يدرس في كبريات المدارس العالمية، ويعتبر مادة أساسية في معاهد التكوين الفندقي ومراكز التدريب الخاصة بالمضيفين والمضيفات، أو حتى في المؤسسات التجارية الكبرى التي تستقطب عاملين في مجال التسويق، مهمتهم استقبال الزبناء وإقناعهم بالمنتوج، وأساسا إقناعهم بالشخص الذي يروج هذا المنتوج.

ونلاحظ، كيف تبذل مجموعة من الفتيات في فضاءات كبرى، ومراكز استقبال، أو خلال حفلات خاصة، وندوات إعلامية، أو مؤتمرات دولية مجهودا جسديا ونفسيا كبيرا، لإظهار أن العالم بخير في هذه اللحظة، ولا يوجد ما يعكر صفو الحياة.

ويظهر هذا المجهود أولا من خلال اللباس والماكياج وطريقة الوقوف التي تحترم قواعد صارمة، وأسلوب الحديث والكلام والإشارات، واللباقة في الاستقبال، حتى يشعر أي ضيف (دون استثناء) أنه زبون فوق العادة.

وتحتاج بعض «خالقات» السعادة إلى كثير من «المقاومة» لإخفاء اضطرابات داخلية، أو مشاكل أسرية، أو أزمات نفسية، وهي مهمة عسيرة جدا لانتماء أغلبهن إلى أوساط اجتماعية تعتبر «التعاسة» خبزها اليومي.

وغالبا، ما تتفهم شركات الاستقبال هذا الضغط النفسي الذي يتعرض إليه مستخدمو «الواجهة»، إذ تحرص على تنظيم العمل في شكل دوريات بساعات قليلة من العمل، حتى يسمح لهم بالتقاط الأنفاس والاختلاء بأنفسهم بدقائق محدودة، قبل العودة لوضع «قناع» السعادة من جديد.

لكن في أماكن أخرى، قد يصعب الحصول على هذه «الفرصة»، وهو بالضبط ما يجري في الحانات وبعض الملاهي الرخيصة، حيث تتحول «نادلات»، أو «بارميطات» أو ممتهنات جنس إلى آلات ميكانيكية لتوزيع الفرح ذات اليمين وذات الشمال، إرضاء لزبناء «يدفعون» هروبا من تعاسة دائمة، من أجل سعادة عابرة.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى