fbpx
ملف الصباح

واش حنا سعداء؟

تقارير دولية تصنف المغرب في آخر ترتيب الشعوب السعيدة بسبب الضرائب وهزالة الأجور

“واش المغاربة سعداء؟”. سؤال إجابته صعبة ومعقدة ونسبية مثل مفهوم السعادة نفسه. التقارير الدولية صنفت المغرب في آخر ترتيب الشعوب السعيدة في العالم العربي، كما تذيل الترتيب في تصنيف عالمي حول مؤشر الرفاهية، شمل 149 بلدا، بعد أن احتل الرتبة 103، وكانت جميع مؤشراته منخفضة مقارنة مع بلدان أخرى، على رأسها التعليم والصحة والتشغيل والاستقرار الاقتصادي والبيئة والبنية التحتية والحكامة والمساواة.

المغاربة (الحوفارة منهم) لا يمكن أن يكونوا سعداء. إنهم يستيقظون “ليلا” بسبب الساعة الإضافية التي “أنزلتها” عليهم حكومة العثماني بغتة، “ما قراو حسابها”، ويبدؤون يومهم ب”الصراع” في “الطوبيسات” و”الطرامواي” و”الطاكسيات”، وحتى أصحاب السيارات لا يسلمون من مشاكل حركة السير وفوضاها. في العمل والمكتب، ينغص عليهم المسؤول أو “الشاف” حياتهم، لأسباب متعددة ليس هنا مجال التفصيل فيها، فيحسبون الدقائق والساعات قبل أن “يتم الإفراج عنهم”، ليعودوا إلى منازلهم في حالة نفسية وعصبية تؤدي بهم إلى الانفجار بسبب كلمة أو همسة، لا يطيقون صبرا على زوجاتهم ولا أبنائهم. كل هذا من أجل أجرة في آخر الشهر، أكثر من نصفها يذهب في “التريتات”، ولا تكفيهم حتى في المصاريف اليومية الضرورية، فبالأحرى الحديث عن سويعات أو لحظات من الترفيه.

المغاربة (إلا من رحم ربك)، مقهورون بسبب توالي الأعياد والعطل والدخول المدرسي. ينامون وبالهم مشغول بالغد. يقترضون ويتقاتلون ويموتون من أجل تأمين مستقبل الأبناء في بلد كل خدماته ليست مجانية وليست في مستوى تطلعاتهم… إذا أرادوا تعليم أبنائهم عليهم أن يدفعوا للمدارس الخاصة. إذا مرضوا عليهم أن يقصدوا مصحات خاصة (وشوف تشوف)… إذا أرادوا أن يستجموا مع أبنائهم أو يمرحوا، عليهم أن يحركوا جيوبهم لغياب ملاه أو حدائق أو فضاءات للعب مجانية… وفوق كل هذا… يؤدون الضرائب.
المغاربة نادرا ما يفرحون بألقاب كروية أو رياضية، أو بمنجزات فنية أو ثقافية أو فكرية أو علمية. ليس لديهم أيقونة أو “أيدول”، في ما عدا بعض المغنيات “الحنقازات” أو الفنانين المتهمين في قضايا عنف واغتصاب.

لكنهم، ورغم كل هذه المؤشرات والعوامل، “يخلقون السعادة” لأنفسهم بما تيسر من الوسائل. جلسة مع الأصدقاء في “بار” تسعدهم. نقطة مدرسية جيدة لأبنائهم تفرحهم. لمة مع العائلة حول طبق كسكس أو “رفيسة” تصل بهم إلى قمة “النشوة”. تقاسم “جوان” يبلغهم “النيرفانا”. علاقة جنسية عابرة تنسيهم همومهم. المغاربة يضحكون رغم الهم والغم. إنهم شعب قنوع وراض بما قسم “الله” له. وهنا يكمن سر “سعادته”.

نورا الفواري

القهر… القاسم المشترك

“قلة” الصحة والمال أهم مسبباته والساعة الإضافية مصدر جديد للتعاسة

بعيدا عن التصنيفات الدولية وقياسات مؤشرات السعادة والتعاسة، ومدى رضى المغاربة عن حياتهم وكل الحسابات والدراسات العلمية التي تقف بالشرح والتفصيل على مؤثرات بعينها تدخل في احتساب المعادلة المعقدة، يكاد لا يختلف اثنان على أن القهر هو السمة المشتركة بين ملايين المغاربة، مهما تعددت مسبباته وتشعبت العوامل المؤدية إليه التي تنتهي دوما في خندق «التعاسة».

ويكفي تتبع سريع لأي من المسيرات الاحتجاجية، التي تجوب كبريات الشوارع، فمهما كانت قطاعية، ومهما كانت ممحورة حول مطالب دقيقة، تهم تارة ضمان التوظيف لهاته الفئة أو تلك، أو تحقيق مطلب الترقية لفئة ثالثة، تجد دوما منعرجا يجعل حناجر آلاف المحتجين تردد شعارات تنتقد ضعف القدرة الشرائية لملايين المغاربة أمام ارتفاع قيمة الضرائب المستخلصة دون أن تقابلها خدمات عمومية ترقى إلى مستوى كفيل بإعادة الطمأنينة إلى نفوس المواطنين وتعد بغد أفضل وحياة كريمة، تبعث خيوط الأمل وتنفض غبار الشقاء.

جمود سلم الأجور، هو الآخر من أبرز مسببات تعاسة المغاربة، الذين يشكون، موظفين كانوا أو مستخدمين، من هزالة رواتب لا تكفي لسد متطلبات المعيش اليومي من مأكل ومشرب وملبس وضمان مصاريف تعليم وتطبيب الأبناء التي هي في ارتفاع مستمر، كفيل بالإجهاز على جيوب أصحاب الأجرة الشهرية، بمن فيهم أولئك الذين يصنفون في فئة الطبقة المتوسطة، صمام أمان المجتمع قديما، والمرشح الأول حاليا للانضمام إلى صفوف الفقراء والمعوزين ومؤهل البلد ككل ليكسب درجات إضافية في ذيل التصنيفات الدولية.

ورغم أن المواطن المغربي يشكو العديد من النواقص التي فشلت الحكومات المتعاقبة في تجاوزها، إلا أن قضية الصحة، تبقى في مقدمتها، أبية على «الاعتدال» بما يسمح للمواطن الثري كما للبسيط وذلك الذي يقيم بأقاصي الجبال وهوامش الحضر من الاستفادة من خدمات صحية، وفرص للولوج إلى العلاج على الأقل. فحال الصحة في المغرب تلخصها عبارة ترددها الألسن «للي مرض يتسنا رحمة الله إما بالشفاء أو إلى القبر”. واقع تعكسه الإحصائيات الرقمية التي تتحدث عن 3 أطباء لكل ألفي مواطن وأقل من سرير لكل ألف مواطن، ومركز صحي لكل 42 ألف مغربي، وعدم تجاوز نسبة الولوج إلى الطب العام نسبة 0.6 استشارة طبية لكل مواطن سنويا، ناهيك عن استمرار نسب وفيات الأمهات والرضع والأطفال دون الخامسة في مستويات مقلقة. هذه المؤشرات والواقع المعيش الذي يشهد عليه آلاف مرتادي المستشفيات والمراكز الصحية، يقضى على كل أمل في حياة أفضل، سيما عندما يقترن بتقارير صادرة عن مؤسسات وطنية رسمية تدق هي الأخرى أجراس الإنذار، وتؤكد تدهور المنظومة، ككل واستمرار منحى الانحدار الذي تعرفه.

وكأن كل العوامل ذات الطبيعة المادية والاجتماعية التي تصيب «سعادة» المواطنين في مقتل، لم تكن كافية لإشاعة التعاسة بالقدر «الكافي»، حتى ارتأت حكومة سعد الدين العثماني إثقال المواطنين بهموم إضافية تحت ذريعة الأمن الطاقي وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، دون سابق إنذار ولا تهييء لمواطنين مر شهران على قرار إضافة الساعة الجديدة دون أن يتمكنوا من التأقلم مع انطلاق دوامهم المهني ومدارس أبنائهم وخيوط الظلام ترفض أن تنقشع.

هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق