دوليات

الصـيـن تـسـتـيـقـظ وتـهـز الـعـالـم

نبوءة قالها نابوليون قبل عقود تتحقق حاليا

«عندما تستيقظ الصين سيهتز العالم» نبوءة قالها نابوليون، وجعلها «ألان بيريفيت»، الكاتب والسياسي والدبلوماسي الفرنسي، عنوانا لكتابه الذي صدر خلال 1973.  وتتلخص فكرة الكتاب في أنه بالنظر إلى عدد سكانها، فإن الصين حين تصل إلى مستوى من الثقافة والتكنولوجيا ستتمكن من فرض إرادتها وأفكارها على العالم. وبالفعل، فإن هذه النبوءة تتحقق حاليا على أرض الواقع، إذ يقف العالم بأسره مشدوها بإعجاب أمام ما وصل إليه هذا البلد من تقدم في ظرف وجيز، حتى أصبحت أقوى الاقتصاديات والأنظمة تضع ألف حساب لهذا التنين. ونلاحظ، حاليا، كيف أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطات مباشرة أوعن طريق المؤسسات الدولية، خاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، من أجل فرض توصيات على السلطات
الصينية لتغيير السياسات التي تتبعها، خاصة ما يتعلق بالسياسة النقدية. لا يمكن لأي أحد يزور الصين إلا أن يعجب بهذا الشعب، رغم كل ما يقال عن هذا البلد على مستوى حقوق الإنسان والحريات الفردية. ما يثير الانتباه بالنسبة
إلى أي زائر هو الانضباط الذي يطبع سلوكات الأفراد، الذي ربما يكون السبب الرئيسي في ما وصلت إليه الصين حاليا.  الكل منشغل بما يعنيه، حتى يخيل إليك أنك أمام أناس آليين مبرمجين على أهداف محددة.  لكن بالموازاة مع ذلك،
فإنهم يحاولون استغلال أوقات فراغهم على أتم وجه. سواء في التنزه في المساحات الخضراء أو في مساحات التسوق أو في بعض أماكن الترفيه.  والمثير للانتباه، أيضا، أنه رغم أن الإسمنت المسلح يغزو العاصمة الاقتصادية
«شنغهاي»، فإن ذلك  لم يمنع المسؤولين من تخصيص مساحات خضراء في كل تجمع سكاني وفي مختلف مناطق المدينة. وهكذا، فإن الصينيين يستفيدون من التنمية التي يعرفها
البلد في مختلف الميادين، وبذلك ينخرطون بكل اقتناع في البرامج التي يسطرها المسؤولون عنهم.

“إكسبو 2010” بشنغهاي… المعارض رافعة للتنمية

الصين أنفقت أكثر من 58 مليار دولار على البنيات التحتية والتجهيزات لاستقبال التظاهرة

السلطات الصينية تهدف إلى استقطاب 70 مليون زائر

أبهرت الصين العالم مرة أخرى، بعد الألعاب الأولمبية التي احتضنتها خلال 2008، باحتضانها للمعرض الدولي «إكسبو 2010»، الذي تأويه العاصمة الاقتصادية «شنغهاي» ما بين فاتح ماي ونهاية أكتوبر الجاري. إن احتضان الصين لهذه التظاهرة العالمية، التي تشارك فيها 200 دولة إضافة إلى عدد من المنظمات الدولية، يعتبر في حد ذاته فوزا كبيرا يحق للسلطات الصينية أن تفتخر به. ليس من السهل تهيئة مساحة تمتد على أكثر من 5 كيلومتر مربع بكل البنيات التحتية من أجل أن تستقبل مختلف الرواقات الممثلة لكل الجهات الممثلة. وأنفقت الصين أكثر من 58 مليار دولار على إكسبو شنغهاي 2010، من خلال إنجاز طرقات وجسور وأنفاق جديدة، بالإضافة إلى إدخال تجديدات على مطار المدينة.
وهمت الاستثمارات، أيضا، وسائل النقل، إذ تم توفير آلاف سيارات النقل الجديدة إضافة إلى حافلات النقل، كما عملت سلطات «شنغهاي» على إنشاء أربعة خطوط جديدة للقطار تحت الأرضي «الميترو» وتمديد بعض الخطوط التي كانت موجودة ليصل طول الشبكة إلى حوالي 420 كيلومترا، ما يجعلها الأطول على مستوى الصين. وتم بناء ثلاثة أنفاق جديدة تربط بين ضفتي نهر «خوانبو» الذي يمر وسط المدينة. وأحدثت محطة جديدة بمطار العاصمة الاقتصادية من أجل ضمان استقبال الوفود الأجنبية التي تزور المعرض الدولي، إذ تشير الإحصائيات إلى أن عدد الوافدين فاق 60 مليون زائر خلال أربعة أشهر الأولى من انطلاق المعرض، علما أن الهدف المحدد من طرف السلطات الصينية يتمثل في استقطاب 70 مليون زائر، خلال ستة أشهر المحددة لهذه التظاهرة الدولية.
يشرف المعرض على نهايته، ومن المؤكد أن الأهداف التي كانت محددة في السابق سيتم تجاوزها، بالنظر إلى النجاح الكبير لهذه التظاهرة من خلال العدد الكبير للوفود التي زارت المعرض من مختلف بقاع العالم. ومن بين الانعكاسات الإيجابية لهذه التظاهرة على الاقتصاد الصيني، الحركة السياحية النشيطة التي عرفتها مدينة «شنغاي» بشكل خاص والصين بصفة عامة، إذ أن عدد السياح الأجانب يعدون بعشرات الملايين مع ما يعني ذلك من ترويج للحركة التجارية وللصناعة الفندقية والمهن المرتبطة بالقطاع السياحي.
ومن خلال زيارة المراكز التجارية يتضح بوضوح مستوى الإقبال الذي تعرفه مختلف الأسواق والمحلات التجارية الموجودة. ويساهم في هذا النشاط المستوى المنخفض للعملة الصينية (رانمينبي- اليوان) بالمقارنة مع العملات الأخرى، خاصة الدولار والأورو، إذ أصبحت السياسة النقدية الصينية مصدر إزعاج بالنسبة إلى الاقتصاديات الأوربية والأمريكية. وتمارس الدول، حاليا، وكذا صندوق النقد الدولي، ضغوطات على السلطات الصينية من أجل رفع عملتها الوطنية.
وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أن السياسة المعتمدة من طرف السلطات الصينية في مجال الصرف تساهم في تدعيم القوة الاقتصادية للصين على المستوى الدولي، إذ يساهم انخفاض قيمة “اليوان” في تقوية منافسة الصادرات الصينية، في حين يضعف تنافسية المنتوجات المستوردة، إذ يصبح سعرها بالعملة المحلية مرتفعا بالمقارنة مع المنتوجات الصينية.
ومكنت هذه السياسة المنتوجات الصينية من غزو الأسواق العالمية مع حماية الصناعة المحلية من المنافسة الأجنبية. لكن هذه السياسة لا يمكن تطبيقها لو لم يكن البلد يتوفر على قاعدة صناعية متطورة، إذ أن تخفيض العملة بالنسبة إلى بلد تتوقف صناعاته على الخارج في جزء كبير من المواد الأولية التي تتطلب الوحدات الإنتاجية، سيكون من انعكاساته حرمان هذه الصناعة من مواد أولية بأسعار تنافسية.
وفي هذا الإطار، فإن تنظيم المعرض الدولي “إكسبو 2010” بالعاصمة الاقتصادية للصين لا يعتبر شرفا بالنسبة إلى البلد المضيف، ولكن يشكل أيضا فرصة سانحة من أجل إعطاء دفعة قوية للاقتصاد الصيني الذي سجل خلال السنوات الأخيرة نسبة نمو برقمين.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه التظاهرة ساهمت في خلق ملايين مناصب الشغل في مختلف القطاعات، مثل اللوجيستيك والسياحة والنقل والمطاعم  والخدمات بشكل عام. ويتوقع خبراء أن تصل إيرادات القطاع السياحي الناتجة عن هذه التظاهرة أكثر من 300 مليار “يوان”، كما نتج عن التظاهرة  إنجاز استثمارات بعشرات الملايير من الدولارات في البنيات التحتية.
إضافة إلى ذلك، فإن البلدان المشاركة استخدمت الخبرات واليد العاملة الصينية من أجل إنجاز أروقتها، إذ أن رواق المملكة العربية السعودية لوحده كلف ما لا يقل عن 140 مليون دولار، في حين أن تكلفة البلدان الكبرى لا تقل عن هذا المبلغ، بمعنى أن الكلفة الإجمالية لمختلف الأروقة تعد بمليارات الدولارات، التي ضخت نسبة كبيرة منها في الاقتصاد الصيني. ومن هنا تكمن أهمية هذه التظاهرة بالنسبة إلى هذا البلد، إذ استفادت المدينة المحتضنة من تأهيل في البنيات التحتية ومن توسيع للطاقة الإيوائية من الأسرة، بل استفادت من هذا النشاط المدن المجاورة للعاصمة الاقتصادية.
ويتوقع خبراء أن ينطلق الاقتصاد الصيني بقوة خلال السنة الجارية نظرا للانعكاسات الإيجابية لهذه التظاهرة الدولية، بل لا يستبعد أن تساهم الانتعاشة الكبرى للاقتصاد الصيني في استقرار الاقتصاد العالمي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق