fbpx
حوادثمقالات الرأي

الراجي الحسين: الخطأ الجسيم للقاضي بين الحصانة والمخاصمة

فقدان الثقة بسبب تنامي الإحساس لدى المتقاضين بتلاشي قيم العدالة بين جدران المحاكم

بقلم: الراجي الحسين*

منذ صدور دستور 2011، والمهتمون بمجال العدالة وبحقوق الإنسان ينتظرون صدور القوانين التنظيمية المرتبطة بتنزيل مقتضيات الباب السابع منه والمنظمة للسلطة القضائية، سواء منها المتعلقة باستقلال القضاء أو بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية أو بحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة. وقد زاد من حدة هذا الترقب، ما وصلت إليه درجة التوتر المتسربة لعلاقة المواطن بالقضاء، والتي بلغت حدا من فقدان الثقة خاصة أمام تنامي وتزايد الإحساس لدى المتقاضين بتلاشي قيم العدالة بين جدران المحاكم.

بمجرد ظهور المسودات الأولى لهذه القوانين التنظيمية، ارتفعت حدة النقاشات العمومية والتي انخرط فيها القضاة أنفسهم لأول مرة بشكل ملفت، سواء بشكل فردي ومن خلال فعاليات، أو عبر إطاراتهم المهنية التي منحها الدستور هامشا من التفاعل الجمعوي (وليس النقابي) اليسير مع هذه المستجدات التشريعية.

فأمام إشادة المتتبعين بالمستجدات الدستورية الواردة في المادة 109 منه و التي تنص على أنه: ” يعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة”، و كذلك الواردة في المادة 122 من أنه: “يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة”، أبدى جانب آخر من المتتبعين، وفي مقدمتهم القضاة أنفسهم، قلقهم إزاء هذه المقتضيات التي قد تصبح مسطرة بيد المتقاضين للنيل من القضاة، أو وسيلة لدى جهات أخرى للتحكم في القضاة، و في كلتا الحالتين فالأمر سينعكس سلبا على استقلال القضاة، و بالنتيجة على استقلال القضاء سلطة دستورية.

ولا يفوتني هنا أن أنوه بالنقاش الدائر حول الموضوع، خاصة بانخراط قضاتنا الأجلاء فيه بشكل جاد ومسؤول من منطلق دفاعهم عن حصانتهم، وهي حصانة كانت وما تزال مطلبا حقوقيا بالمغرب ضمانا لاستقلال القضاء. غير أن هذا النقاش يوحي في جزء مهم منه كما لو أن الأمر يتعلق فقط بمنافسة لملء الفراغات التي خلفتها مرحلة ما قبل دستور 2011، حيث كان المغرب وفيا ل “نظرية تفويض القضاء” إبان زمن الخلافة الإسلامية، حين كان القاضي مجرد نائب عن الحاكم ومفوض من قبله في تدبير شأن العدالة أمام شساعة رقعة الدولة نتيجة للفتوحات الإسلامية.

فنظرية التفويض هذه كانت، وإلى وقت قريب، حاضرة في التقاليد القضائية والسياسية بالمغرب، حيث نستحضر في هذا الإطار كلمة الملك الراحل الحسن الثاني بتاريخ 31 مارس 1982 عندما اجتمع برجال القضاء، والتي جاء في إحدى فقراتها:

تعلمون أن الأحكام التي تصدر عنكم تصدر باسم جلالة الملك، معنى هذا أن المسؤولية الملقاة على عاتقكم هي مسؤولية مزدوجة، فإذا كان الحكم الذي أصدرتموه حكما مستقيما فلكم أجره وأجر من عمل به وأجر من صدر الحكم باسمه لأنني فوضت لكم. ولكن إذا كان الحكم جائرا وأصدرتموه باسم جلالة الملك فعليكم إثمه وإثم من عمل به وإثم من أصدرتم الحكم باسمه.

وأنا شخصيا لو كنت قاضيا لن أتحمل لا إثم المظلوم ولا إثم أمير المؤمنين لأنه بقطع النظر عما إذا كان الحسن الثاني أو غيره فالإمام ظل الله ورمحه. فإذن، الحلال نتقاسم أجره ولكن الحرام لا يتعلق بذمم أو بذمتين. الحرام معلق بكل قاض قاض”.

أما اليوم وفي ظل دستور 2011، وبعد كل المحطات النضالية للمغاربة من أجل تحديث مؤسساتهم، والتي توجت بداية، بطي صفحة الماضي خلال محطة هيأة الإنصاف والمصالحة، وانتهاء بصدور الدستور الحالي.

لذلك، فإن الحديث عن دسترة السلطة القضائية، وعن تنظيم أحكام ضمان استقلالها، لا يجب أن ينسينا النظر إلى كل هذه المبادئ بشكل شمولي، وليس بشكل تجزيئي. فالقضاة في المغرب كانوا محاطين بكم هائل من الضمانات، ومسيجين بهالة من القدسية، لأنهم كانوا تحت وصاية جهات دستورية، في مقدمتها السلطة التنفيذية مما كان يفسر ضرورة تحصينهم من أي تأثير من المتقاضين لأن في ذلك مسا بجهة الوصاية.

أما اليوم، ومن منطلق المبدأ الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة، فإنه فلم يعد مقبولا التمسك ب “قدسية القضاة”، بل أصبح من المفروض على القضاة إعطاء البرهان على استقلالهم، وعلى أنهم سلطة دستورية لا تخشى أية محاسبة، وهذا أمر لا يمكن تحقيقه إلا في سياق ما هو متعارف عليه من المعايير الدولية في هذا المجال، وفي مقدمة هذه المعايير تكريس مسؤولية القاضي التي هي مظهر من مظاهر استقلاله، وليست مسا بهذا الاستقلال.

من هنا تبدو أهمية إقرار الخطأ المهني الجسيم للقاضي، عنصرا يلزم التحقق منه قبل أية محاسبة له عما قد يحوم حول أدائه المهني من شكوك. كما تبدو أهمية ذلك في ضرورة تحديد مفهوم الخطأ الجسيم للقاضي الموجب للمسؤولية، وكذلك حالاته، حتى لا يظل القضاة في زمن استقلالهم عرضة للقرارات الهولامية المبهمة الغامضة.

وهكذا، وبعد أن نص الدستور في فصيه 109 على الخطأ المهني الجسيم للقاضي، وفي فصله 122 على مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي، أصبح لزاما تنزيل هذه المقتضيات تشريعيا، وهو ما تولاه النظام الأساسي للقضاة بالنسبة لمجموعة من أحكامه من ضمنها الأحكام المتعلقة بالخطأ المهني الجسيم للقضاة، خاصة في مادتيه 96 و97.

والجدير بالتذكير هنا، أن المشرع المغربي شأنه في ذلك شأن مجموعة من التشريعات المقارنة، لم ينظم أحكام الخطأ الجسيم للقاضي، إلا عندما أراد أن تمتيع القضاء بالاستقلال، وذلك عبر بوابتين هما:
البوابة الأولى: تحمل الدولة مسؤولية الأخطاء القضائية، وكذلك مسؤولية الأخطاء المهنية الجسيمة للقضاة، (الفصل 122 من الدستور).

البوابة الثانية: رفع الحرج عن المتقاضين وعن القضاة معا في إطار نظام مخاصمة القضاة، وذلك باعتماد حالة الخطأ المهني الجسيم.

واعتبارا لأن الفصل 391 من ق م م المغربي قد عدد حالات مخاصمة القضاة في التدليس والغش والغدر، دون الإشارة إلى الخطأ المهني الجسيم للقضاة، ورفعا للحرج الذي تسببه الحالات الأخرى، فإنه أصبح لزاما على المشرع مراجعة أحكام هذا الفصل بإضافة حالة الخطأ الجسيم، وهو الأمر التي فرض على المشرع تنظيم أحكام الخطأ المهني الجسيم للقاضي في صلب مقتضيات النظام الأساسي للقضاة، قيل تعديل نص الفصل 391 ق م م.

فلا غرابة في أن تتضمن مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية (صيغة 20 سبتمبر 2018) تعديلا للفصل 391 الذي أصبح يحمل رقم 413، والذي أصبح ينص من ضمن مقتضياته على أنه:
” يمكن مخاصمة القضاة في الأحوال الآتية:

-إذا ادعي ارتكاب تدليس أو غش أو غدر من طرف قاضي الحكم، أو من طرف قاض من النيابة العامة أثناء قيامه بمهامه؛
-إذا ادُعي ارتكاب خطأ مهني جسيم أثناء تهيئ القضية ”

فلا داعي إذن لقراءة مقتضيات الفصلين 69 و97 من النظام الأساسي للقضاة خارج هذا السياق.

* رئيس نقابة المحامين بالمغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق