fbpx
ملف الصباح

الرداءة … صناعة مغربية: السياسة بمفردات “ديالي كبير عليك”

لا يختلف «منظر» البطن العاري بجلسة برلمانية عمومية كثيرا عن جر «قافلة من الحمير» في مسيرة احتجاجية بأكبر شوارع العاصمة الاقتصادية، كما يشبهان عبارة «ديالي كبير عليك» التي أطلقها رئيس الحكومة السابق من منصة البرلمان، ذات تنابز واستعراض لـ»القوة» مع برلمانية من الأصالة والمعاصرة.

حكايات التردي والهزال في الخطاب والممارسة السياسية أقرب إلى بعضها البعض، وتكاد تكون سمة مشتركة بين زعماء «الغفلة» وبرلمانيين ابتليت بهم الساحة الحزبية، في العقد الأخير، حتى أضحى الزعيق والصراخ والقدرة على المبارزة و»حشيان الهضرة» والعفوية المنفلتة، طموح الصف الأول من القيادات والكتاب العامين ورؤساء الفرق البرلمانية.

في فبراير 2013، انتظر إدريس الراضي، رئيس فريق الاتحاد الدستوري بمجلس المستشارين، حتى أضاءت الكاميرات كشافاتها وبدأت الجلسة تنقل على الهواء مباشرة، فشرع ينزع حزام سرواله، للكشف عن بطن متدل، وهو يصرخ في وجه رئيس الحكومة وجمع من زملائه البرلمانيين ووزاء وصحافيين «شوفو كرشي ما فيهاش لعجينة».

وشكل هذا المنظر البشع وسط مؤسسة دستورية موضوعا للتندر لعدة شهور، كما تناولت وسائل الإعلام الدولي صورا لـ»كرش» البرلماني و»فيديوهاته»، ووضعتها في خانة طرائف، بينما شد المغاربة على رؤوسهم من هول الصدمة، وهم يكتشفون أن مجلسا موقرا تناقش فيه القضايا الحيوية للأمة والتشريعات والقوانين تحول إلى حمام «شعبي».

والواقع، أن «سي إدريس» لم يتصرف على هذا النحو بمحض إرادته، بل كان مدفوعا بقوة سياق سياسي موبوء ظل يشجع على مثل هذه الحقارة، سواء بمجلسي البرلمان، أو في الأحزاب السياسية أو الساحات العامة التي تحتضن مهرجانات خطابية، أو مسيرات احتجاجية في الشارع.

فلن ينسى المغاربة كيف ساق حميد شباط، الأمين العام السابق، لحزب الاستقلال (الحزب الوطني الكبير) أمامه قافلة من الحمير وسط الرباط، ومشى وراءها، مشبها وزراء الحكومة ورئيسها بهذه الكائنات الظريفة، وهو أسوأ تشبيه أطلقه زعيم سياسي على خصومه في تاريخ المغرب.

ونال شباط، بسبب هذا الأسلوب «الحيواني» في الاحتجاج، حصة من السلخ والجلد في مواقع التواصل الاجتماعي، كما شكل «حميره» مادة دسمة للسخرية لعدة أيام، وكانت سببا في بداية سقوط رجل «قوي» توالت هفواته وسقطاته وخزعبلاته حتى وجد نفسه اليوم قرب الحائط، دون أدنى مسؤولية، مع طموح محتشم في العودة إلى ساحة مازالت تحبل بالعديد من أمثاله.

وربما بشكل غير مخطط له أنتج الحقل السياسي، في السنوات الأخيرة، زعماء «الطرائف» (على وزن زعماء الطوائف) الذين ورثوا أحزابا كان إذا عطس مؤسسوها الأولون أصيبت الدولة بالزكام وتداعت مفاصلها للمرض لعدة أيام.

وتحبل الساحة بأمثلة من هذه الرداءة التي قادها عبد الإله بنكيران، الأمين العام للعدالة والتنمية السابق، عن جدارة واستحقاق ويعود له الفضل في تأسيس حقبة سياسية في المغرب الغلبة فيها لـ»التشيار» و»تخسار الهضرة»، إذ كلما هوى أحدهم إلى قاع الكلام البذيء، كلما ارتقى في درجات السياسة.

وبلغ هذا «الخطاب» أعلى «استيهاماته»، حين أعلنها بنكيران مدوية من فوق منصة البرلمان، وهو يبارز برلمانية من الأصالة والمعاصرة، قائلا لها «ديالي كبير عليك»، وذلك في لحظة حاسمة لاستعراض العضلات والقوة الحزبية، بكل معاني ومفردات الانحطاط.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى