fbpx
ملف الصباح

الرداءة … صناعة مغربية: انــدحــار الغـــنـــاء

الباحث الموسيقي الخلوفي قال إن المشهد الفني أصبحت تتصدره فقاعات

حكى مقربون من الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب، أنه في إحدى أحاديثه التأملية مع زوجته نهلة القدسي، بعدما تقدم به العمر، خاطبته بما مفاده “ألم تر أن كل عظماء الفن الذين جايلتهم رحلوا تباعا وفي فترة متقاربة ..؟ فريد الأطرش وأم كلثوم وعبد الحليم والسنباطي وفايزة أحمد… لم يعد أحد منهم وغرقنا وسط موجة الإسفاف والرذالة الفنية”. فنظر إليها موسيقار الأجيال مليا ونطق كلمتين لا ثالث لهما “التاريخ يستريح”.

هذه العبارة صدرت عن موسيقار عايش تحولات الفن العربي على مدار القرن العشرين وكان واحدا ممن صنعوا مجد وازدهار الفن الغنائي، ليمتد به العمر ويجايل مرحلة اندحار الغناء والموسيقى، خاصة خلال مرحلة نهاية الثمانينات، ويخرج بهذه الخلاصة البليغة التي تؤشر على المنحى الذي أخذه الفن بعد مضي حقبة العظماء الذين منحوه ألقه ووهجه، وكأن التاريخ قد مدد استراحته فنيا، ولم يعد قادرا على الدوران مجددا وإفراز تجارب فنية أبدع مما كان.

والأمر نفسه ينسحب على الفن المغربي خاصة في مجال الموسيقى والغناء، إذ بعد عقود المجد منذ منتصف الخمسينات إلى غاية مطلع التسعينات، عاشت الأغنية المغربية مرحلة تراجع مهول غرق فيه المشهد الغنائي.

وفي هذا السياق يرى الباحث والناقد الموسيقي عبد السلام الخلوفي أن هناك علامات كثيرة تؤشر على دخولنا الفعلي زمن الرداءة الفنية، ومنذ مدة طويلة.

ويقول ” تغلغلنا في هذا الزمن الأغبر فنيا، الذي أخذ شكل كرة الثلج التي تتدحرج وتكبر بشكل تدريجي.

ولعل من علامات هذا التغلغل، ما أصبحنا نشهده من بروز فقاعات فارغات، تتصدر المشهد الفني، ليس استحقاقا واعتمادا على موهبة أصيلة وفريدة، وإنما لجنوحها للغريب من الإصدارات، والتافه من الإنتاجات”.

ويضيف أنه أصبح اليقين الراسخ لدى جيل كامل يختزل في مبدأ واحد: “كلما ركنت للإسفاف وجنحت للقبح الفني، استطعت أن تلفت النظر وتضمن متابعات متعددة”، ليس للاستمتاع ب”المنتوج” وإنما لإرضاء فضول نجم عن أحاديث متكررة عن تفاهة هذا العمل، وترسخت قناعة واحدة لدى العديد من الفاعلين في الميدان الفني، تتلخص في السعي وراء “البوز” أولا وثانيا وثالثا، قبل الانتباه لجوهر العمل.

ولعل هذا ما كوّن لنا جيلا فارغا فنيا، يشتغل على مظهره وتواصله وإثارة نقاشات حوله، وإن كانت سلبية، لكنها تضمن له سرقة الأضواء، وإيجاد موطئ قدم في الساحة الفنية”.

وتابع معد برنامج «نغينوها مغربية» أن الأغنية بدأت التطبيع مع الرداءة الفنية، نتيجة حتمية لبرمجة الأغنية المتعارف على تسميتها بالعصرية، ضمن مواد شعبية ذات إيقاعات صاخبة، تبعث على الجذب والشطح، كانت تبرمج ضمن سهرات الأقاليم في الهواء الطلق، ولأمر ما كانت توضع قبل هذه المواد الشعبية، فأصبحت مثل المقبلات الباردة التي يعرض عنها الجميع، الأمر الذي دفع العديد من المبدعين في هذا المجال، إلى استلهام ألحان تتعمد الإيقاع الشعبي والصاخب، وتتلفع بالجمل البسيطة حد السذاجة، بغية استدرار عطف الجمهور، واللعب على الوتر الحساس لديه.

وتوالت تلك الأعمال حتى أصبحت هي السائدة، وبدأت تتسابق للوصول للحضيض، إلى أن بلغت المنتهى وتسربت ألفاظ سوقية لمتننا الغنائي، وعوضا عن «خجول أطل» التي ترمز لعصر ذهبي عرفته هذه الأغنية، استعضنا عنها بتفاهات لا تخجل أن تطل علينا، وتقتحم خلواتنا عبر كل الوسائط.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى