fbpx
ملف الصباح

الرداءة … صناعة مغربية

اندحار الذوق عبر التطبيع مع التفاهة والجهل وكرستها السوشل ميديا ومواقع إلكترونية

يعيش المغاربة، في السنوات الأخيرة، على إيقاع رداءة أصبحت تحيط بهم من كل جانب، وعلى جميع المستويات، وأصبحت عنوانا لمغرب دفن ماضيه وزمنه الجميل الذي صنعته نساء ورجالات من طينة نادرة، ليتحول اليوم إلى فضاء شاسع يؤثثه التافهون والسطحيون و”قلال الترابي”.

أينما وليت وجهك اليوم، ثمة رداءة. كل ما حولنا فقد قيمته، سواء تعلق الأمر بالسياسة أو الفن أو الصحافة والإعلام والتلفزيون، وكأن هناك من يريد أن يطبّع المغاربة مع الجهل والضحالة وانعدام الذوق والأخلاق، لينتجوا أجيالا ومجتمعات غارقة في مزيد من الأمية والتخلف.

الزمن السياسي اليوم أصبح ينتج لنا شخصيات حزبية شعبوية تمتح مصطلحاتها من قاموس “الحماحم”، بعضها استطاع أن يصل إلى الأمانة العامة لحزبه وإلى مناصب وزارية هامة، فقط لأنه يجيد “التكابيل” و”العطيان” و”شد ليا نقطع ليك”. فقد البرلمان هيبته وأصبحنا نشاهد السادة النواب والمستشارين يتعرى بعضهم على بعض، ويعارضون ب”المعيار” و”السبان” بدل الحجج والبرهان… أما الحلوى والتهافت عليها… فحدّث ولا حرج.

تحول الفنانون من منقّبين عن الإبداع في الكلمة واللحن والموسيقى، إلى باحثين عن “البوز” وعن أكبر عدد من “اللايكات” والمشاهدات على “يوتوب” وباقي مواقع التواصل الاجتماعي، هدفهم “الأسمى” إثارة جدل فارغ، حتى ولو تطلب الأمر فتح معارك هابطة مع بعضهم البعض، يتم خلالها تبادل التهم والفضائح، وتجييش متابعيهم ومعجبيهم ضد كل من يتجرأ على قول أو كتابة كلمة نقد. وحين تبحث عن أعمالهم، هذا إن وجدت، تكتشف أنها بعيدة تماما عن الفن، قريبة أكثر من العفن.

حتى الصحافة، تخلت عن جرائدها الرصينة وكتابها المرموقين، وتركت الساحة لكثير من المواقع الإلكترونية التي أدخلت المجال في فوضى وعشوائية. فأصبح كل من حمل كاميرا وميكروفونا، يدعي انتماءه إلى مهنة المتاعب، ويفتح “منبره” لكل من هبّ ودبّ من الفاشلين الذين صنع منهم “فيسبوك” و”سناب شات” و”إنستغرام”، أبطالا ونجوما لا يشق لهم غبار، فأصبحنا نسمع عن نيبا وأدومة وسينا وعلال القادوس… قبل أن يحذو التلفزيون حذوهم، ويدخلهم إلى عقر بيوت الناس، من خلال برامج تجلب أكبر عدد من المشاهدين والإعلانات، تضاهي نسب مشاهدتها، المسلسلات التركية الرديئة، بل تتفوق عليها أحيانا.

الشيء نفسه يمكن قوله على بعض الإذاعات التي أصبحت تكرس للرجعية والظلامية، من خلال برامج “الرقية الشرعية” و”لعشوب”، التي تمنح المجال لبعض الدجالين والمشعوذين من أجل التحدث إلى المستمعين باسم الشرع والدين، دون حسيب ولا رقيب على خطاباتها المتخلفة، التي تريد العودة بالمغاربة إلى الوراء، بدل تثقيفهم وتوعيتهم.

في هذا الملف، رصد لبعض جوانب الرداءة في هذا الزمن الأغبر، الذي اختفت منه قيم الجمال والرقي والأناقة، وحلت محلها البشاعة والقبح والذمامة.

نورا الفواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى