fbpx
حوادث

مفهوم الأثر الرجعي للتقييد الاحتياطي

الحق المرفوض تقييده أو التشطيب عليه يخضع لحماية مؤقتة

(الحلقة الأولى)

بقلم: ذ. مبارك السباغي*

تبدو مؤسسة التقييد الاحتياطي غرفة “محجوزة” بقوة القانون في زمان ومكان معينين إداريا أو قضائيا (بمفهوم الرتبة في التقييدات بالسجلات العقارية) من قبل شخص مدع ضد مالكها المقيد بالرسم العقاري المعني، يرفض تسليم مفاتيحها للمدعي الذي تعذر عليه دخولها. في آخر المطاف، قد تصبح ملكا له عن طريق القضاء وقد تبقى ملكا خالصا للمدعى عليه، فتتبخر الرتبة وينجلي أثر التقييد الاحتياطي ويشطب عليه من الرسم العقاري، لذلك يصح القول إن لمؤسسة التقييد الاحتياطي تقييدين لا يفترقان أبدا: تقييد أولي خال من كل حق، يلعب دور الحارس عليه لأنه مجرد ادعاء، وتقييد نهائي إما يثبت الحق المدعى فيه إيجابا وإما يقضي على التقييد الأول سلبا ويثبت الحق للمدعى عليه.

وكل التقييدات بينهما والتي تتعارض مع حقوق المدعي محاصرة في قاعة الانتظار رغم قوتها الثبوتية وحصانتها للحقوق المودعة بالسجلات العقارية، تنتظر نهاية النزاع الذي قد يعصف بها ويشطب عليها من الرسم العقاري أو يدعمها فتحصن قوتها الثبوتية بعد التشطيب على التقييد الاحتياطي موضوع التقاضي بالرسم العقاري المعني.
وبهذا التعريف الذي أغفله المشرع في ظهير التحفيظ العقاري المعدل بالقانون 14 – 07، يختلف التقييد الاحتياطي عن الحجز التحفظي الذي حسب الفصل 87 من الظهير نفسه، يغلق الباب في وجه المحجوز عليه الذي عليه أداء ما بذمته أو حرمانه من عقاره نتيجة بيعه بالمزاد العلني. أما التقييد الاحتياطي فلا يمنع المدعى عليه المقيد من التصرف والاستعمال والإستغلال لعقار ما زال في اسمه رغم وجود التقييد الاحتياطي.
واعتبارا لما تم توضيحه أعلاه أتصور مؤسسة التقييد الاحتياطي كحبل مطاطي قد يبعد التقييدين عن بعضهما البعض نتيجة التقاضي الذي قد تتأخر نتائجه. فبمجرد صدور أحكام نهائية يزول الضغط على الحبل المطاطي فيرجع من حيث انطلق ليدخل رتبة في رتبة، أي إيداعا في إيداع ما نسميه بالأثر الرجعي، أو يقضي على رتبة برتبة، أي التشطيب بإيداع على إيداع، وكأن التقييد الاحتياطي ما كان له وجود أبدا في حالة صدور أحكام ضد المدعي. وقد يصح القول إنه لما ينكمش الحبل المطاطي، ويلتف حول نفسه مكونا نقطة واحدة بدلا من خط برأسين أو بنقطتين متقاربتين أو متباعدين حسب الحالة، لن يترك بين التقييدين أي مسافة أو مساحة تذكر، ولا زمان يفصل بينهما، هذا الحبل المطاطي في جميع الأحوال تكون رحلة رجوعه إلى نقطة الانطلاقة مثقلة بأحكام قضائية نهائية لفائدة أحد الطرفين. فإن كانت حمولته لفائدة المدعي فإن نقلها يدمر حقوق وتحملات كل من كان عابرا طريق المدعي. وبما أن الأمر هكذا، كيف يمكن تصور وجود تقييدات لا مكان ولا زمان لها، بعد انصهار التقييد الجديد مع التقييد القديم؟.
إذن، إذا قيد الحق يعطي ثماره فورا المتمثلة في القوة الثبوتية والأثر المنتج للحق، لكن إذا تعذر على المحافظ العقاري تلبية طلب المعني بالحق، فلهذا الأخير حل مؤقت يبدو وكأنه حل وسط بينه وبين المحافظ. فالحق المرفوض تقييده أو التشطيب عليه ما هو مقيد تقييدا نهائيا ولا هو ضائع ضياعا كليا، بمعنى أنه يخضع لحماية مؤقتة، وكأنه تحت الحراسة النظرية، في انتظار التحقيق معه، أي الحكم لصالح صاحب الحق المرفوض أو الحكم ضده، وبالتالي لا حق له في التقييد أو التشطيب. هذه الحراسة المؤقتة لا تمنع المالك المقيد من التصرف في عقاره بشتى أنواع التصرفات. لكن من يغامر في شراء عقار رسمه العقاري مثقل بتقييد احتياطي بناء على دعوى في الموضوع يجهل مآلها، و لو أن القانون لا يمنعه من اقتنائه؟.
الملاحظ، هو أن قانون التحفيظ العقاري يحمي حتى من تعذر عليه تقييد حقه أو التشطيب عليه بفضل مؤسسة التقييد الاحتياطي، التي هي سيف ذو حدين، قد يفتك بالمدعى عليه، كما يمكن أن يفتك بصاحبها الذي طرق بابها. وقد يكون الضرر مناصفة بينهما أو بنسب غير متعادلة.
إن اللجوء إلى هذه المؤسسة يكون عند الضرورة و حسب رغبة الشخص المعني، كما ورد في المادة 13 من القانون 39-08 كما سنرى في تحليل هذا الموضوع. ولا يجبر أحد على استعمالها إلا في الحالات التي أقرها المشرع كالتي تتعلق بدعوى القسمة التي لا تقبل إلا إذا وجهت ضد جميع الشركاء وتم تقييدها احتياطيا إلى حين صدور أحكام نهائية ( المادة 316 المعدلة من م.ح.ع).
– تعريف التقييد الاحتياطي وخصائصه ومصادره وآثاره :
1 – عامل الزمان هو المحدد لاختيار النوع المناسب للتقييد الاحتياطي:
كلما كانت الأسباب التي تحول دون التقييد شكلية أو طفيفة، إلا وكان اللجوء للتقييد الاحتياطي بناء على سند هو الأفضل و الملائم لسرعة وسهولة الحصول عليه بطلب من المعني بالأمر يقدمه للمحافظ العقاري حسب الفصل 85 من ظهير التحفيظ العقاري الذي نقرأ فيه : ” يمكن لكل من يدعي حقا على عقار محفظ أن يطلب تقييدا احتياطيا للاحتفاظ به مؤقتا.
يضمن طلب التقييد الاحتياطي من طرف المحافظ بالرسم العقاري إما:
– بناء على سند يثبت حقا على عقار ويتعذر على المحافظ تقييده على حالته.
– بناء على أمر قضائي صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية التي يقع العقار في دائرة نفوذها.
– بناء على نسخة من مقال دعوى في الموضوع مرفوعة أمام القضاء.
إن تاريخ التقييد الاحتياطي هو الذي يحدد رتبة التقييد اللاحق للحق المطلوب الاحتفاظ به. تبقى التقييدات الاحتياطية الواردة في نصوص تشريعية خاصة خاضعة لأحكام هذه النصوص”.
هذه التقييدات الاحتياطية الثلاثة، تختلف عن بعضها البعض من حيث مدة صلاحية كل واحدة منها، كما يتضح من الفصل 86 المذكور أعلاه الذي ينص على ما يلي : “تحدد في عشرة أيام مدة صلاحية التقييد الاحتياطي المطلوب بناء على سند ولا يمكن خلال هذه المدة قبول أي تقييد آخر لحق يقتضي إنشاؤه موافقة الأطراف. لا يمكن إجراء أي تقييد احتياطي بناء على سند، إذا كانت مقتضيات القانون تمنع تقييده النهائي.
تنحصر في شهر مدة صلاحية التقييد الاحتياطي بناء على إدلاء الطالب بنسخة من مقال دعوى في الموضوع مرفوعة أمام القضاء.
يشطب على هذا التقييد الاحتياطي تلقائيا، بعد مضي الأجل المذكور، ما لم يدل طالب التقييد بأمر صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية طبقا لأحكام الفصل 85 أعلاه.
يحدد مفعول التقييد الاحتياطي الصادر بناء على أمر من رئيس المحكمة الابتدائية في ثلاثة أشهر ابتداء من تاريخ صدوره، ما لم ينجز التقييد النهائي للحق، وتكون هذه المدة قابلة للتمديد بأمر من رئيس المحكمة الابتدائية شريطة تقديم دعوى في الموضوع، ويستمر مفعول هذا التمديد إلى حين صدور حكم نهائي. وفي جميع الحالات، لا يصدر رئيس المحكمة الابتدائية الأمر بالتقييد الاحتياطي إلا بعد تأكده من جدية الطلب.
* محافظ سابق وموثق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى