fbpx
ملف الصباح

“كاريانات” البيضاء تلفظ أبناءها

المئات يعيشون التشرد في انتظار «النفي» إلى سيدي حجاج

تعيش عشرات الأسر بعدد من مقاطعات البيضاء التشرد في الشارع، بعد هدم السلطات لمساكنها العشوائية بالقوة، وتحويل مجموعة من “الكاريانات” إلى مساحات خالية من الحياة. حادث الهدم بالجرافات وآلات البناء، خلف صدمة كبيرة في صفوف السكان، إذ عبروا عن رفض تنقيلهم من وسط البيضاء، إلى قرية سيدي حجاج، بطرق عنيفة وصلت حد المطالبة بـ “إسقاط الجنسية”، والتعبير عن رغبتهم في تنظيم رحلة لجوء جماعية إلى إسبانيا، بعدما وضعتهم الدولة أمام أمر الواقع، وتنفيذ الهدم بحضور قوات الأمن. واضطرت عشرات الأسر إلى نصب خيم بالقرب من الدواوير التي نقلوا منها، بسبب عدم توفرهم على نفقات الكراء.

كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصرا، حينما حلت الصباح، بدواوير “حسيبو” و”الريكي” و”الجديد”، التي تحولت إلى مناطق خالية، ما تزال الجرافات تزيل منها مواد البناء والقش التي خلفتها عملية الهدم، فيما كان بعض السكان “المشردين”، يجلسون أمام خيمهم، في مشهد يوحي بفقدانهم للبوصلة، إذ في الوقت الذي كانوا يمنون النفس بالحصول على مساكن لائقة في إطار سياسة إعادة الإيواء، وجدوا أنفسهم مشردين، في غياب تام لشروط العيش الكريم، إذ يعيشون بطريقة بدائية، بدون ماء ولا كهرباء ولا أثاث.

الموت والتشرد

صادفت “الصباح” بعد حلولها بالدواوير الثلاثة (احسيبو، الريكي، الجديد)، جنازة شاب، يبلغ من العمر 17 سنة، كان يعاني إعاقة جسدية. الأجواء بأرجاء “الكاريانات” التي نصبت فيها الخيم كانت حزينة جدا، إذ كانت عشرات النساء يحاولن مواساة أم الضحية، التي كانت تبكي بحرقة، على فقدان ابنها، والأوضاع المزرية التي خلفها هدم “الكاريان”، إذ كانت تجلس داخل خيمة لا تتعدى مساحتها ثلاثة أمتار، وتتناوب النساء على ولوجها من أجل تقديم العزاء، إذ لا يمكن أن تستوعب أكثر من ثلاثة أشخاص.

وقالت الأم المكلومة، في تصريح لـ “الصباح” والدموع تغالبها، “كنا نعيش بسلام إلى حدود مجيء السلطات تخبرنا بأنها ستنفذ قرار الهدم بالقوة، حينها كان ولدي مريضا، وفي اليوم الذي كانت فيه الجرافات تهدم مساكننا، ظل يوما كاملا تحت حرارة الشمس، ما زاد في تدهور وضعه الصحي”، مضيفة “النهار كامل كنجري بيه فالشمس والعجاج طالع علينا”.

وأوضحت الأم، التي تبدو في عقدها الرابع، أن ” طفلي كان يعاني مرض الماء في الرأس (موه الرأس)، وأن السلطات لم تراع عدد من الحالات الإنسانية التي تعيش وضعية الهشاشة، إذ هناك عجائز يقطن هنا، وأشخاص يعانون أمراضا مزمنة، وأيتام ليس لهم معيل، لذلك تجدون هنا عشرات الأسر مشردة، لأنها لا تملك المال الكافي لتسديد نفقات الكراء”. وأضافت المتحدثة ذاتها، وهي تشير بأصبعها نحو النساء اللائي حللن بالمكان لمساندتها، “أين سأجد هؤلاء الأحبة حينما يرمون بنا في سيدي حجاج”.

ومن جانبه، قال شاب، يبدو في عقده الثالث، “أصبحنا مشردين في الشارع منذ أسبوعين”، متسائلا “ماذا تريد منا السلطات، إنها تدفعنا نحو الجريمة والمخدرات، لماذا يعاملوننا بهذه الطريقة المهينة؟ نحن أيضا مغاربة مثلهم، إنهم يتصرفون معنا على أننا حشرات وليس مواطنين. أصبحنا نحدث أنفسنا في الشارع مثل المجانين”، مضيفا، وهو يمسك بيده سجارة ملفوفة، “لدي ثلاثة أطفال صغار، كنا نعيش الويلات داخل الكاريان، وعوض أن نجازى بسكن لائق، يريدون إجلاءنا إلى قرية سيدي حجاج”.

مصير مجهول

يبدو أن مصير سكان “كاريانات” البيضاء ما يزال مجهولا، سواء بالنسبة إلى المعنيين بالتنقيل، والذين يرفضون مقترحات السلطات بشكل بات، وأيضا جانب السلطات، التي عجزت عن تسوية المشكل، واحتواء الأزمة، إذ كانت تراهن على قبول السكان بالأمر الواقع، والانخراط في مسلسل إعادة الإيواء، غير أن أوضاعهم لا تسمح لهم باكتراء منازل للعيش فيها، إلى حين الوصول إلى اتفاق يرضي الطرفين.
وعلق سكان الدواوير الثلاثة، التي حلت بها “الصباح”، قطعة قماش بيضاء في إحدى أعمدة الكهرباء المجاورة، كتب عليها بلون أحمر”سكان دواوير عين السبع: احسيبو، الريكي، الجديد، المصير المجهول…”، في إشارة إلى حالة التيه التي يعيشونها بعد هدم “أكواخهم” العشوائية. وقالت امرأة كانت تجلس أمام إحدى الخيم، “نحن لا نبحث عن المشاكل مع السلطة، لكن ألم يكن الأجدر بهم، أن يشيدوا على الأقل المساكن التي وعدونا بها في سيدي حجاج قبل تنفيذ الهدم. اليوم توفي طفل معاق، بسبب الأوضاع التي أصبحنا نعيشها منذ أيام، في انتظار مزيد من الأزمات”.

ويبرر سكان “كاريانات” البيضاء رفضهم للحلول المقترحة من قبيل السلطات، التي ترمي إلى إعادة إيوائهم، بعوامل متعددة، إذ يجمعون أن المشكلة الأولى التي ستواجههم إذا نفذوا رغبة السلطات، هي الغياب التام للمرافق والبنيات العمومية بالمنطقة، إذ لا توجد بها مدارس قريبة، كما تغيب فيها مستشفيات ومراكز الرعاية الصحية، خصوصا أن جزءا غير هين منهم يعاني مشاكل صحية.
ويرفض السكان تنقيلهم أيضا إلى سيدي حجاج، بسبب انعدام فرص العمل بالمنطقة، إذ في الوقت الذي كان فيه معيلو الأسر، قريبين من أماكن عملهم، سواء بالوحدات الإنتاجية أوالشركات الموجودة بالحي الصناعي لعين السبع أو سيدي البرنوصي، سيضطرون بعد الانتقال إلى سيدي حجاج إلى قطع أزيد من 20 كيلومترا من أجل العمل، كما أن جزءا كبيرا منهم يشتغل بالميناء، ومتخوفون من فقدان قوتهم اليومي إذا غادروا دواوير عين السبع.

ويظل من الصعب على سكان “كاريانات” البيضاء، قبول تنقيلهم من المجال الحضري إلى المجال القروي، بسبب غياب فرص الشغل، خصوصا بالنسبة إلى النساء، اللائي يعملن في منازل الأحياء المتاخمة لهن، كما اعتبروا أيضا، أنه من الصعب على أسر كانت تعيش في “الكاريان” منذ فجر الاستقلال، وشباب ولدوا وسط المدينة، نقلها إلى قرية في ضواحي البيضاء.
عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق