ملف عـــــــدالة

جهـاز الأمـن المغـربي وحـمـل الأسلـحــة

شكري: ليس من الجائز حمل السلاح في غياب تكوين قانوني وتدريب ميداني صارم

يرى عبد الجبار شكري، الأستاذ الباحث في علم الاجتماع وعلم النفس، أن حمل السلاح من طرف أجهزة الأمن يجب أن لا يتم  إلا بعد تكوين لرجال الأمن تكوينا عميقا في مجال قانون استعمال السلاح وفي مجال حقوق الإنسان وفي مجال التربية على

المواطنة الحقة والتكوين العميق بضرورة استعمال السلاح إلا بشروط معينة.

هل هناك في بعض الأحيان استعمال غير مشروع للأسلحة من طرف أجهزة الأمن؟
نعم، فالوقائع والأحداث على أرض الواقع الأمني تبين بالفعل شطط أجهزة الأمن في استعمال السلاح ليس هم في حاجة إلى استعماله في الوضع الأمني الذين يكونون في مواجهته، وفي هذه الحالة ليس من الجائز لأجهزة الأمن حمل السلاح في غياب تكوين قانوني وتدريب ميداني صارم لكثير من رجال الأمن، لهذا فحمل السلاح من طرف أجهزة الأمن يجب أن لا يتم  إلا بعد تكوين لرجال الأمن تكوينا عميقا في مجال قانون استعمال السلاح وفي مجال حقوق الإنسان وفي مجال التربية على المواطنة الحقة والتكوين العميق بضرورة استعمال السلاح إلا بشروط معينة وفي ظروف معينة للأسباب التالية: أولا، ليست لدينا ثقافة الحوار الديمقراطي بدون الدخول في صراعات وعنف سواء كان معنويا أو ماديا، وثانيا إن عملية حمل السلاح في حد ذاتها لا يمكن أن تتم إلا في ظل ضوابط قانونية ومؤسسية تضمن خضوعها للمراقبة والمتابعة باستمرار، وثالثا انتشار ظاهرة المحسوبية والزبونية وتصفية الحسابات بين رجالات الدولة لتوريط بعضهم البعض.
ومن ثم يشكل حمل السلاح من طرف رجل الأمن خطرا على نفسه وعلى أسرته وخطر على سلامة وأمن المجتمع. فحمل السلاح بالنسبة إلى رجل الأمن يكون خطرا على نفسه، لأنه في لحظة انفعال قوية يفقد توازنه النفسي فيدفعه إلى الانتحار أو من اجل الانتقام من الآخرين قد يفضي به ذلك إلى القتل، وكم قرأنا في الجرائد أن شرطيا ما انتحر أو صفى حساباته مع الآخرين بالقتل.
كما يشكل حمل السلاح من طرف رجل الأمن بدون تكوين قانوني وحقوقي وفي شروط وفي ظروف، خطرا على أمن وسلامة المجتمع، لأن رجل الأمن بدون هذا التكوين السابق سيستعمل السلاح في أي ظرف من الظروف في لحظة مواجهته للوضع الأمني في مظاهرات معينة، وتبين أحداث السنوات الماضية شططا في استعمال السلاح ضد المواطنين من طرف رجال الأمن وشططا في استعمال العنف بالنسبة إلى المظاهرات أمام البرلمان لحاملي الشهادات الجامعية العليا.
لأن المشكل في هذا الإطار ليس مشكلا قانونيا أو مؤسسيا بل المشكل هو مشكل نفسي واجتماعي بالنسبة إلى رجل الأمن نفسه. فمن الناحية السيكولوجية نجد ما يلي:
أولا، أن رجل الأمن عندما يحمل السلاح يعيش لحظة تضخم (الأنا) عنده فيشعر أنه في موقع قوة وسلطة كبرى على الآخر، وأنه يعلوه درجة في الضبط والتوجيه، ومن ثم فإنه يشرع في ممارسة سلطة الأمر والنهي، فإذ حدث أن مس المواطن سيكولوجيته الحالية في تضخم الأنا لرجل الأمن، فإن المواطن يثير غضب رجل الأمن، خصوصا إذا لم يكن لهذا الأخير القدرة على ضبط والانفعالات مما قد يؤدي به إلى استعمال السلاح في غير محله انطلاقا من شعوره بالتفوق على خصمه.
ثانيا، إن حمل السلاح من طرف رجل الأمن يولد لديه سيكولوجية العنف كرد فعل سريع ومفاجئ تجاه أي شعور بعنف لفظي أو مادي من طرف الآخر. فالمواطن الذي يمكن أن يشعر بالإهانة من طرف رجل الأمن باعتباره ليس محل ثقة وفقدان الثقة فينه، فهو من البدء مشكوك في أمره وسلامة نيته، ومن ثم فإما أن يكون رد فعل المواطن هو ممارسة سيكولوجية الاستسلام والانسحاب، لكي يتفادى ما لا تحمد عقباه وإما أن تطغى عليه سيكولوجية التمرد والعنف ورد الفعل للدفاع عن النفس ضد رجل الأمن، ومن هنا فإن تمرد المواطن لن يكون بالكلام فقط، بل يكون بالعنف المادي من موقع الاستقواء والندية عن طريق حمل سلاح أبيض أو أي شيء آخر أجل الانتقام والدفاع عن النفس عند الطوارئ، وفي كل الأحوال فإن هذا لا يساهم في إغناء وتكريس ثقافة الحوار والنقاش الهادئ الذي هو عنوان المواطنة الحقة ورمز الكرامة الفعلية لكل مواطن مهما كان موقعه في السلطة وفي المجتمع.
أما من الناحية الاجتماعية التي تجعل حمل السلاح يحتاج إلى تكوين نجد ما يلي:
أولا، الخوف من رجل السلطة، فالمخزن والسلطة عبر سيرورته الزمنية والمكانية في التاريخ المغربي، أنتج ثقافة التميز من رجل الدولة باعتباره مواطنا من طينة أخرى يعلو على القانون والدين وحقوق الإنسان وبين المواطنين الآخرين الذي تعتبرهم السلطة من الدرجة الثانية، لأنهم من الدرجة الثانية، وثقافة التمييز هذه أنتجت هي الأخرى الخوف والفوبيا من رجل السلطة.
ثانيا، إن المجتمع نفسه يعيد إنتاج ثقافة الخوف والفوبيا من رجل السلطة من خلال التنشئة الاجتماعية التي تربي في المواطن الخنوع والاستسلام لإهانة وشطط رجل الدولة بعدم الدفاع عن حقوقه في إطار القانون والحوار السلمي والحضاري.
ثالثا، عن تفعيل مؤسسات وقنوات الدفاع عن حقوق المواطنين تجاه شطط استعمال السلطة لرجال الدولة منها رجال الأمن.

ما هو رأيكم في بعض شركات الأمن التي تطالب بقانون يرخص لرجالها بحمل السلاح؟
إنها ظاهرة استثنائية ومطلب جديد على المجتمع المغربي، وهو مطلب في نظري أن تكون له انعكاسات سيئة وخطيرة على أمن مجتمعنا وسلامته، نظرا للأسباب التالية:
أولا، عملية حمل السلاح في حد ذاتها لا يمكن أن تتم إلا في ظل ضوابط قانونية ومؤسسية تضمن خضوعها للمراقبة والمتابعة باستمرار.
ثانيا، انتشار ظاهرة الرشوة والمحسوبية وتجاوز القانون في مجتمعنا مما يمكن أن يكون له تأثير سلبي في مجال ترويج الأسلحة المرخص بحملها.
ثالثا، انتشار ظاهرة التهريب التي يمكن أن تشمل إدخال أسلحة غير مرخصة إلى المغرب واستعمالها في سرية كاملة.
ففيما يتعلق بشركات الأمن الخاصة فإن الترخيص لها بحمل السلاح يشكل في حد ذاته خطورة على أمن المجتمع والدولة، فالشخص المستخدم في هذه الشركة معرض في أي لحظة للتوقف عن العمل إراديا أو لا إراديا، فمن يضمن لنا أنه في هذه الحالة لن يوظف هذا السلاح في عمل إجرامي للتخلص من شعوره بالإحباط واليأس والرغبة في الانتقام.
فالأشخاص المستخدمون في إطار الأمني في القطاع الخاص ليست لهم كفاءة وتدريب على حمل السلاح، وليست لهم كذلك ثقافة استخدامه في إطار الضوابط القانونية المعروفة، كما هو الأمر لرجال الأمن الذين يمرون على الأقل بتداريب لمراقبة أسلحتهم، ونحن مع ذلك نلاحظ أنه حتى في هذه الحالة هناك شطط في استعمال السلاح من طرف رجل الأمن العمومي سواء ضد ذاته أو ضد الغير، وهو ما تشهد عليه بعض الحوادث المتفرقة التي شاهدناها في السنوات الأخيرة.
ويمكن لهذه الشركات نفسها الإخلال بالمحافظة على الأمن إذا ما توفرت عل السلاح باسم العمل على استتباب الأمن فقط تحصل عمليات تسريب السلاح إلى العموم وفي السوق السوداء، مما يترتب عليه سهولة الوصول إلى السلاح من طرف أي كان، خصوصا وقد أصبحنا في وضعية لا نحسد عليها بسبب التهديد المتواصل للعصابات الإجرامية وللجماعات الدينية المتطرفة.
رغم عدم كفاءة أجهزة الأمن الرسمية، فمع ذلك فالمواطن يشعر بأمان أكبر في ظل أمن الدولة وجهاز الأمن الوطني أكثر من شركات الأمن الخاصة، فمهما يكون فالدولة تحافظ بصرامة أكبر على أمن البلاد والعباد، لأن المحافظة على أمنهم يعد حرصا على أمن الدولة ذاتها ووجودها نفسها.

أجرى الحوار: خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق