fbpx
ربورتاج

مـيـاه بـطـعـم الـسـم

الحكم على 500 بئر بإقليم برشيد بالإغلاق المؤقت بجماعة ولاد صباح بعد ثبوت ارتفاع نسب مواد عضوية نتيجة تسربات الواد الحار

عاد الخوف ليجثم على جماعة أولاد الصباح بإقليم برشيد، بعد انتشار أخبار “جديدة” عن وجود مواد عضوية مسرطنة بأغلب آبار الشرب والسقي المنتشرة على امتداد البصر وسط المروج والأراضي الفلاحية والضيعات الصغيرة في أربع دواوير، هي المعيز وولاد بلخطيب ولغزاونة وولاد بنعمر.الناس هنا مازالوا يتداولون النتائج السلبية للخبرة المنجزة بطلب من غرفة الفلاحة للبيضاء-سطات حول 500 بئر، أثبتت جود نسبة مرتفعة من مواد سامة في مياه كانت يستعملها للشرب حوالي 9500 قاطن. وانتقلت “الصباح” إلى المكان وعاشت أجواء الخوف، واستمعت إلى فلاحين وفاعلين ومصادر من الجماعة.

إنجاز: يوسف الساكت – تصوير: (أحمد جرفي)

كانت الساعة تقترب من الخامسة، حين وصلت “الصباح” إلى دوار المعيز، المتاخم لمحطة تصفية ومعالجة المياه العادمة التابعة لجماعة الكارة. لا شيء يدل على وجود خطر داهم يهدد حياة السكان، بعد نشر نتائج خبرة مغربية وفرنسية جديدة تؤكد وجود نسب مرتفعة من النترات والسولفات والتوصيل الكهربائي والكلور بمياه عدد كبير من الآبار التي يستخدمها أصحابها للشرب والسقي وتوريد البهائم، وأغراض منزلية أخرى.

هدوء قبل العاصفة

الهدوء يلف المنطقة، إلا من هدير محرك جرار تحمل صداه رياح خفيفة، ومعه صوت راع كان يهش على قطيع خرفانه ويمنعه من الاقتراب من السياج الحديدي الذي يحيط بأكثر من 8 هكتارات تشكل مجموع العقار المخصص لمحطة تجميع مياه الواد الحار القادمة من جماعة الكارة المجاورة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 22 ألف نسمة، 80 في المائة منهم مرتبطون بشبكة التطهير السائل.

لم يبال الراعي (حوالي 25 سنة)، لوجودنا، إذ اعتاد السكان زيارات غير منتظمة لعدد من المسؤولين ومكاتب دراسات ولجان خبرة من المغرب وألمانيا، يترددون على المحطة بين الفينة والأخرى.

وحتى حين سألناه عن سبب انزعاجه من اقتراب خرفانه من السياج الحديدي، أفرج عن ابتسامة ماكرة وقال “علاه نتوما زعما ماعارفينش!”، قبل أن يواصل “واش بغيتو لبهايم تدخل تشرب الما الخانز ديال الواد الحار”، ثم انطلق في الحكي “واحد النهار دخلو شي نعجات تما من واحد الثقبة في السلك، ووردو الما، ومن بعد نتفخت ليهم كروشهم، وكانو غاي يموتو، قبل ما نعتقوهم بالزعتر والحلبة والملح”.

بدا الراعي متأكدا من وجود مشكل بهذه المحطة الذي قال إنه كان صغيرا حين شرع في تشييدها، ويتذكر عمال البناء والمهندسين ومسؤولي الجماعة الذين كانوا يشرفون على عمليات بناء الصهاريج والقنوات والأغشية البلاستيكية وعمليات الحفر ووضع السياج الحديدي.

وليس الراعي وحده من يتذكر تاريخ إنشاء محطة تصفية المياه العادمة التابعة لجماعة أخرى، بل أغلب قاطني الدواوير المجاورة، إذ كانت الأرض الذي أقيمت عليها قبل 2004، فلاحية في ملكية أسرة معروفة بالمنطقة، قبل أن يجري التفاوض حولها وبيعها بحوالي 300 مليون سنتيم (حوالي 8 هكتارات)، وهو سعر يعتبر باهظا مقارنة مع الأسعار المتداولة قبل 14 سنة، لكن جماعة الكارة لم تتردد في الموافقة عليه نظير الحصول على عقار لإنجاز مشروع ممول من قبل بنك ألماني بغلاف استثماري وصل إلى 4 ملايير سنتيم.

عملية مشبوهة

قال بوشعيب، صاحب ضعية صغيرة بدوار المعيز، “تتبعنا تفاصيل عملية البيع والشراء، ونعرف جيدا صاحب الأرض وطلبنا منه مرارا رفض العرض المقدم له من الجماعة، خصوصا حين بلغ إلى علم سكان الدواوير وجود نية لتحويل جماعتنا إلى مستنقع لتجميع القاذورات والمياه العادمة للمراحيض”.

كان بوشعيب، الموظف السابق بالحي الجامعي لمراكش وابن جماعة ولاد صباح، يمتطي جرارا يجر آلة لتقليب التربة، قبل أن يترجل ويلقي علينا التحية، ويطلب منا مرافقته إلى ضيعته القريبة، وبالضبط إلى مكان وجود بئر شبه مهجور مجهز بمحرك يشتغل بقارورة غاز البوتان.

تجاوز بوشعيب عقده الخامس، دون أن يفقد نشاطه وحيوته، إذ انطلق مثل سهم نحو البئر موضوع التحقيق، دون أن يكف عن التذمر “والله حتى تقرهنا أخويا، هاد شي عيب وعار.. هاد الناس بغاو يقتلونا ويقتلو ولادنا بالخنز وشنويلة والحشرات..عيينا ما نشكيو ونطلعو ونهبطو..وشحال من لجنة جات عندنا وشافو هاد الويل اللي عايشين فيه، وكتبو محاضر ومشاو فحالهم”.

وصل بوشعيب إلى البئر الموجود في الجهة العليا من الضيعة المجهزة بإسطبلات للخراف وتسمين العجول والأبقار تقع مباشرة أمام أربعة “نوادر” للتبن من حصاد الموسم الماضي، ورفع غطاء قصديريا على فتحته وطلب منا استنشاق رائحة بدأت غير طبيعية تطلع منه، قبل أن يتوجه خطوات، حيث يوجد المحرك.

وجد بوشعيب صعوبة في تشغيل المحرك، وبرر ذلك بالمدة الطويلة التي كف عن استعماله، بسبب وجود روائح كريهة في الماء. وبعد ثلاث محاولات، انطلق هدير صاخب وانطلقت حركة قوية دفعت بقوة أحزمة مطاطية مرتبطة ببعضها وتنتهي إلى أسفل البئر لضخ المياه في قنوات مرتبطة به.

ولم تكن سوى أقل من دقيقتين، حتى بدأ الماء يتدفق من القناة الرئيسية في ممر خاص، ثم انطلق صوت بوشعيب” شوفو أعباد الله لون الماء كيف ولى، واش هادا هو لون الماء لي كان من قبل..شمو الريحة الخايبة لي طالعا منو..شوفو الكشكوشة بحال فيه تيد..”.

لم يكتف بوشعيب بهذه الملاحظات، بل مد كفيه إلى القناة وجمع “حفنة” من الماء، وشرع في استنشاقها، وطلب منا أن نفعل مثله، للتأكد من وجود رائحة كريهة، والتأكد أيضا من وجود مادة لزجة به.
كان بوشعيب مصرا على تقديم الدليل المادي القاطع على وجود مشكل في مياه الآبار، مؤكدا أنه منع نفسه ومنع أبناءه من شرب تلك المياه منذ أكثر من ثلاث سنوات، تفاديا للإصابة بأمراض جلدية، أو باطنية، كما حدث لبعض السكان في دواوير مجاورة.

وقال المتحدث إنه يضطر كل يوم لترك أشغاله المتراكمة في الدوار، والتوجه إلى جماعة الكارة لجلب مياه صالحة للشرب على متن عربته التي تجرها دابة، مؤكدا أن من حسن حظه أنه يملك منزلا بهذه الجماعة مرتبطا بشبكة الماء، وإلا لاضطر إلى شراء الماء من السقايات والعوينات.

كسكس برائحة كريهة

خالد فخر الدين، أحد قاطني الدوار نفسه، التقته “الصباح” في طريقه إلى ضيعته المجاورة. كانت يحمل برميلا من سعة 10 لترات، وآخر بسعة 5 لترات على متن عربة. توقف غير بعيد عنا بعد أن تعرف على مرافقنا، وحتى قبل أن نطرح عليه السؤال شرع هو الآخر في التذمر “والله أخويا ما كيان الرجال، والله ديك السطاصيون (المحطة)، بوها لا دارت”..”أنا لي كتشوف فيا عندي جوج بيار ها واحد حداك ولاخر فين مخبي اللور، طالعين علينا بجوج ب12 مليون، ومحروم نشرب منهم، ونمشي كل النهار نجيب الما من الكارة”.

يردف فخر الدين “واش هادي حالة مايبغيها الله ولا العبد لينا..واش حنا مواطنين ولا شي حاجة خرى..علاش يوسخو لينا بيارنا علاش، ويحرمونا من الماء باش نشربو ويشربو ولادنا واش حنا عندنا شي حكومة وشي قانون كيحمي الضعفاء؟”.

لا يجادل هذا الفلاح (في عقده الرابع) في وجود مواد ملوثة، كما لا يتردد في اتهام محطة تصفية المياه العادمة في تلويث الفرشة المائية ووجود تسربات لبقايا القاذورات في مياه الآبار.

“أنا نعاود ليك ونتا كول الله أعلم”، يشرع فخر الدين في سرد قصة اكتشافه لوجود رائحة الغائط في الماء. “كان ذلك يوم جمعة، حين استدعاني أحد أبنائي لتناول وجبة كسكس. توجهت إلى قناة البئر، وغسلت يدي جيدا، وتوجهت إلى المنزل. ما أن وضعت اللقمة الأولى في فمي، حتى استنشقت رائحة كريهة تطلع من أناملي. قمت من مكاني، وتوجهت مجددا إلى القناة لغسل يدي من جديد، لكن ما إن عدت إلى مكاني حول مائدة الطعام، حتى انتابني الشعور المقزز نفسه، فتأكدت حينها أن مشكلا كبيرا يوجد بالماء، لم أعرف سببه إلا بعد انتشار الخبر في الدوار، فاضطررت للكف عن استعمال ماء البئر في الشرب والوضوء وغسل الأواني والتصبين”.

كان الرجل يحكي بلا انقطاع، كأنه يزيح صخرة تجثم على صدره، وحتى حين ودعناه، عاد وطلب منا مرافقته إلى البئر للتأكد من كلامه.

واقيات ألمانية!

الاتهامات نفسها، كان تتردد على ألسنة أبناء الدوار الذين التقت “الصباح” بهم، مؤكدين أن المجاري الصغيرة للفرشة المائية واتجاهاتها حملت المياه العادمة إلى دواوير تبعد بحوالي 5 كيلومترات عن المحطة، مثل دوار لغزاونة الذي تعتبر آباره الأكثر تضررا.

قرب المحطة المحاطة بسياج حديدي وأشجار سامقة تخفي بنايات صغيرة بلون أبيض، يسمع “خرير” المياه القادمة من مجاري الجماعة المجاورة وتصب في قنوات كبيرة، قبل أن تصل إلى صهاريج غير مغطاة، تطلع منها رائحة كريهة، وتنتشر فوقها سحابة من الحشرات الضارة وخاصة الباعوض (شنيولة).

قال فاعل جمعوي إن الباعوض يأخذ أحجاما خرافية في هذا المكان، وتترك لسعاته آثارا ظاهرة على أجساد الكبار والصغار خصوصا في الليل، دون الحديث عن الروائح الكريهة التي تنقلها الرياح إلى مناطق بعيدة.

في المقابل، قلل مصدر مقرب من جماعة الكارة من هذه التخوفات، نافيا وجود علاقة سببية بين تغير لون المادة وارتفاع نسب مواد عضوية بمياه الآبار وبين وجود محطة لتصفية المياه العادمة بالمنطقة.
وقال إن انتشار الروائح الكريهة والحشرات أمر عاد، لاعتماد المحطة على تقنية التبخر، إذ تتجمع المياه في أحواض كبيرة مفتوحة على أشعة الشمس، فيما تتحول البقايا إلى مواد عضوية حيوية لتسميد التربة.

وفيما قال المصدر إن المحطة مجهزة بواقيات بلاستيكية موضوعة على عمق كبير لمنع التسرب إلى الفرشة المائية، وهي خيار معتمد من أصحاب المشروع الممول من بنك ألماني حريص على الحفاظ على البيئة، أكد فاعل جمعوي عدم وجود هذا الواقي، مستدلا على ذلك بتقارير صادرة عن مختبرات، أو محاضر منجزة من لجان تابعة لوزارة الداخلية تنفي ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى