fbpx
ملف الصباح

أقصبي: منظومة شاملة

الباحث الاقتصادي وعضو ترانسبرانسي أكد أن اقتصاد  المغرب مبني على الزبونية والمصالح

أكد عز الدين اقصبي، الخبير الاقتصادي، أن الريع يشمل جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، ويخترق بنيويا مختلف المؤسسات. وأوضح الناشط في “ترانسبرانسي” أن كلفة الريع ضخمة جدا، وتتجلى في ضعف الإنتاجية وهزالة وتيرة النمو، وعدم قدرة الاقتصاد الوطني على توفير مناصب الشغل الكافية، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.   في ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: برحو بوزياني

< يجري الحديث عن فشل النموذج التنموي.هل يمكن الرهان على مشروع جديد في ظل استمرار اقتصاد الريع والامتيازات؟

< الحديث اليوم عن فشل النموذج التنموي  من قبل الدولة، يظهر من خلال العديد من المؤشرات، من قبيل وتيرة النمو ومستوى توفير مناصب الشغل، وارتفاع الفقر والهشاشة، ومشاكل قطاعات أساسية في البلاد تعيش مشاكل كثيرة، مثل التعليم الذي يعتبر قطاعا أساسيا وحيويا بالنسبة إلى التنمية. وتعلمون أن الدول التي عرفت نماذج تنموية ناجحة عامة، استثمرت في التعليم والتربية بشكل جيد، باعتبارهما رافعين من روافع التنمية.
هناك تشخيص واعتراف بمحدودية النموذج التنموي من قبل جميع الأطراف، رسمية وغيرها، ويبقى السؤال حول الأسباب وراء هذا الفشل، والذي امتد على مدى عقود، ابتداء من ستينات القرن الماضي إلى يومنا هذا.
هناك طبعا أسباب تقنية مرتبطة بطبيعة النموذج، لكن في نظري المشكل الأساسي، يظل هو المرتبط ببناء مؤسسات الدولة، وهنا يطرح غياب مؤسسات الحكامة، لأنه مهما تكن البرامج، إذا لم تواكبها حكامة وتسيير جيد، فإنها ستواجه الفشل.
وإلى جانب ذلك، هناك الريع واقتصاد الريع، والحقيقة أن المغرب مبني على الريع، والذي يشمل جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، ويخترق بنيويا جميع المؤسسات، والأمثلة كثيرة في قطاع المناجم والمواد النفطية، كما يهم الموارد الطبيعية في الفلاحة أو البحار والمقالع، أي أن اقتصاد البلاد مبني كله على الريع والزبونية والمصالح، وهو الأمر الذي يجعل النموذج التنموي المبني على اقتصاد السوق والمنافسة لا يشتغل، لغياب مؤسسات تجعله يعرف الدينامية الطبيعية.
ويكفي هنا ذكر قطاع الطاقة والمحروقات التي تعتبر حيوية بالنسبة إلى تحريك عجلة الاقتصاد وتلبية حاجيات المواطنين، فهذا القطاع، كما كشف ذلك تقرير اللجنة البرلمانية يعرف ريعا كبيرا، يتمثل بالإضافة إلى عدد الشركات التي تتحكم في القطاع، في تحديد الأثمان، والتي تتعدى الربح الطبيعي.
وهناك ريع أيضا في العقار من خلال المضاربات العقارية، وهذا ما يجعل أن هذه القطاعات، والتي تكون جزءا كبيرا من نشاط الاقتصاد الوطني كلها تعرف ريعا، والسبب أن هناك أطراف لديها مصالح  تحرص على تنميتها، في تضارب مع المصلحة الوطنية العامة.

< ما هي كلفة الريع على الاقتصاد الوطني. وما هي المداخل السياسية لمحاربة مختلف أشكال الفساد؟
< الكلفة ضخمة جدا على مستوى معدل النمو، ولها جوانب متعددة، ويكفي أخذ الجانب المتعلق بمجلس المنافسة، والذي ظل متوقفا لأزيد من عشر سنوات، بسبب غياب القانون التنظيمي، ولما صدر، لم يجر تعيين الأعضاء الذين سيشرفون على تفعيل المجلس. وهذا التجميد لمؤسسة من مؤسسات الحكامة، ساهم في تكريس اقتصاد الريع. لو كانت المؤسسة فاعلة لتدخلت لتقول إن ما يؤديه المواطن من أثمان بعض المنتوجات مرتفع جدا، ولتدخلت عند منع شركات أخرى من المساهمة في العملية الاقتصادية، وهذا الوضع يساهم في إضعاف نسبة التشغيل، لأخلص هنا إلى أن كلفة الريع كبيرة بالنسبة للاقتصاد الوطني، من حيث فرص الشغل القليلة التي يتم توفيرها، مقابل الأرباح الكبرى التي تجنيها بعض الشركات، بعيدا عن بناء اقتصاد وطني مبني على الجودة والابتكار، وهو الوضع الذي  يساهم في تكدس أرباح بعض الشركات بشكل غير أخلاقي، ودون توفير الجودة المطلوبة.

< تحول خطاب محاربة الريع إلى مجرد شعار للاستهلاك السياسي. لماذا استعصى على كل الحكومات مواجهته؟
< كما سبق أن قلت، هناك أطراف وجهات لها مواقع في الاقتصاد، تدافع عن مصالحها، ويظهر بوضوح في بعض الحالات أنها محمية. كما أن هناك ريعا سياسيا تستفيد منه الأحزاب، ويتعمق أكثر من خلال إسناد المناصب، والامتيازات المختلفة.
ولذلك أقول إن الريع منظومة شاملة ذات أضرار كبيرة على الاقتصاد الوطني، تتجلى في ضعف الإنتاجية وهزالة وتيرة النمو، وعدم القدرة على  توفير مناصب الشغل، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

< ما هو المدخل في نظركم لتجفيف منابع الريع في الاقتصاد والقضاء على ما يسمى جيوب المقاومة؟
< ما تسمى اليوم جيوب مقاومة، هي في الحقيقة تجند جهات للدفاع عن مصالحها، بكل الوسائل، لعرقلة أي مساس بامتيازاتها. إن المشكل في رأيي، يتجاوز  جيوب المقاومة، لأان الأمر يتعلق،  بغياب الإرادة السياسية الحقيقية للقطع مع نظام الريع والامتيازات والزبونية.  فهناك آليات الافتحاص والمراقبة  والقوانين التي يمكن من خلالها  التصدي للريع، لكن المشكل في السلطة السياسية، وغياب الإرادة الحقيقية. فالمسؤولون في مؤسسات الدولة لا يرغبون في القطع مع هذا النظام، ولا مصلحة لهم في محاربة الريع، لسبب بسيط أن الأمر لن يخدم مصالحهم.
وأعطي مثالا بسيطا هنا بسوق الإعلانات في المدن الكبرى،  لنطرح السؤال حول المستفيدين منه، وكلفته، وطبيعة الشركات التي تروج لمنتوجاتها عبره، لنؤكد حجم الفوائد التي تدرها هذه الأنشطة التي تدخل في إطار الريع.

قضية سياسية

إن المشكل في رأيي، ليس تقنيا مرتبطا بهذا القطاع أو ذاك،  بل قضية سياسية ونظام مبني على الامتيازات، لفائدة بعض الفئات والأطراف، بعيدا عن منطق اقتصاد السوق، والذي يفرض المنافسة والخضوع لمراقبة مؤسسات الحكامة المختلفة، من قبيل مجلس المنافسة  ومؤسسة مكافحة الفساد ، والتي لم تمنح لها الوسائل الكافية للاشتغال، ولعب دورها كاملا.
فلو توفرت الإرادة السياسية، وقام مجلس المنافسة على سبيل المثال بممارسة دوره في زجر  الشركات، وفرض غرامة بنسبة 10 في المائة من رقم معاملاتها، كما هو منصوص عليه في بعض  أدواره،  لشكل ذلك تهديدا حقيقيا لأصحاب الريع،  ولكان للمجلس دوره الفعال في مراقبة المنافسة. لكن لحد الساعة ليست هناك إرادة فعلية للخروج من اقتصاد الريع، والانتقال إلى اقتصاد السوق، الشفاف والتنافسي.

في سطور
– خبير اقتصادي وأستاذ جامعي
– ناشط في هيأة ترانسبرانسي لمكافحة الرشوة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق