منبر

متى كان المغاربة يهتمون بالسياسة؟

الحكومة التي تزاوج بين التحفظ والجرأة لم تضع سقفا محددا لحربها على الفساد

من قال إن السياسة تخص النخبة، وإن الاقتراب منها من قبل عامة الناس بمثابة  لمس الأسلاك الكهربائية العارية والشديدة القوة؟
في مثل هذا القول نصيب من الصحة، لكنه يصدق على زمن ولى كانت فيه السياسة “طابوها” محاطا بسياج سميك من الخطوط الحمراء، تنتهي بأغلب اللاعبين في

سراديبها إلى أقبية السجون الباردة. أما اليوم، فلا داعي إلى الخوف من الخوض في أمور الشأن العام من قبل جل المغاربة الذين أصبحوا يتحدثون عن الشخصيات العمومية، وعن أداء الحكومة  وعن موقف المعارضة منها، وينتقدون أوضاع البلاد في البيوت وفي الشارع وفي المجالس المنتخبة بالسنة حرة طليقة.
منذ خروج حركة 20 فبراير إلى الشارع قبل سنة، رافعة شعارات التغيير وتجاوب النظام معها، وقبل ذلك ببضع سنوات من الانفتاح على المحيط المجتمعي من قبل السلطات الحاكمة، لم يعد أحد يخشى من ظلال الأشباح التي يصفها المغاربة بـ”البياعة”، والذين تواروا عن الأنظار أو سلموا ظهورهم المقوسة بفعل الزمن الذي يجري بسرعة إلى جدران الشوارع، بعد أن أحيلوا على تقاعد إجباري إلى أجل غير مسمى، ينظرون إلى العالم الذي تغير من حولهم ولسان حالهم يقول “اتفو على السياسة”.
لكن ما يعنينا في هذا المقال الوصفي، ونحن نتحدث عن السياسة في تمظهراتها المجتمعية حتى لا نقحم أنفسنا في ألغامها الدفينة، هو محاولة الوقوف على الاهتمام المتزايد من قبل المغاربة بحكومتهم الجديدة، يتابعون أخبارها عبر الشاشات والإذاعات، وقد أجلوا تتبع المسلسلات المكسيكية والتركية إلى حين انتهاء النشرات الإخبارية التي تشد انتباههم في هذه الأيام الربيعية  التي نعيش بعض فصولها .
فما هي طبيعة هذه الاهتمامات اللافتة التي لم تكن حاضرة بالقوة نفسها في الحكومات السابقة؟ فهل طبيعة هذا الاهتمام منصب على أعضاء الحكومة الجدد بصفاتهم الشخصية، أو كشخصيات عمومية يصنعون لأنفسهم كاريزميات سياسية من موقع السلطة ؟ أم أن الأمر يتجاوز الأشخاص والصفات ويرقى إلى نوع من المراقبة المجتمعية للممارسات والمسؤوليات التي يضطلع بها فريق حكومي وضع جنبا اختلافاته المرجعية، وانضم أعضاؤه إلى “وحدة” لمحاربة الفساد التي تقول الحكومة إن حملتها في هذا الاتجاه ستكون عميقة ؟
هذه التساؤلات التي تستبد بأذهان المتتبعين للشأن السياسي المغربي تمليها الرغبة الجماعية لفهم الإخبار والمعلومات الواردة علهم حول نشاط  حكومة بنكيران التي سرقت بوهجها الأضواء عن الاهتمامات الجماهيرية الكبرى كالمباريات الرياضية. فالمغاربة الذين يسترقون السمع إلى نبضات السياسة بالسليقة، يريدون من خلال هذه الاهتمامات معرفة مدى حرص بنكيران وفريقه على تحقيق مطالبهم التي لا تنحصر في الشاي والخبز الذي يعتبر المكون الأساسي للعيش لذي معظم المغاربة، بل يهفون كذلك إلى تحقيق قيم العدالة والحريةوالكرامة في ولاية هذه التشكيلة الحكومية الجديدة.
فالمغاربة لا يعرفون جل أعضاء هذه الحكومة بالأسماء قبل أن ترفعهم الانتخابات التشريعية الأخيرة إلى سدة السلطة، لكنهم رغم شخصنة الأشياء في الثقافة المغربية، لم يعد يعنيهم من هذه الوجوه الملتحية أو الحليقة التي تتصدر صورها وسائل الإعلام إلا الوفاء بالوعود التي سبق لحزب العدالة والتنمية الحاكم ان رفع شعاراتها في حملاته الانتخابية.
وبقدر الحماس الذي أبانت عنه الحكومة في بداية عملها للتجاوب مع انتظارات الشعب الذي يراقبها، والمتمثل على الخصوص في شخصي كل من وزير العدل والحريات مصطفى الرميد، وزميله في النقل والتجهيز عزيز رباح اللذين كشفا مبكرا عن بعض مظاهر الفساد الأولى، كتقديم نماذج مشتبه  بها إلى العدالة، أو فضح بعض المستفيدين من اقتصاد الريع من خلال مأذونيات النقل ورخص الصيد البحري بقدر ما ازداد اهتمام المغاربة واستعجالهم لمعرفة الحدود التي قد تنتهي عندها حملة الإصلاح ومحاربة الفساد المعلن عن انطلاقها، لكن كيف للمهتمين بالشأن الحكومي الذين يستعجلون الحكومة في أمرها من مختلف المواقع والمستويات أن يقدروا المسافة التي قد تفصل بين بداية الإصلاح ونهاية الفساد التي الجميع يتحدث عنها؟ والحال أن الحكومة مازالت في بداية الطريق، وأن الحكم عليها لن يكون بالنهج والأسلوب الذي تعتمده، وإنما بالنتائج التي ستحققها في نهاية ولايتها.
المتفائلون بطبعهم أو ممن يستندون على معطيات قد تكون في حوزتهم يذهبون إلى الاعتقاد أن حملة الإصلاحات قد انطلقت فعلا ساخنة سوف لن تكون نهايتها إلا أكثر سخونة، لأنها مدعومة من قبل السلطات العليا. أما المتشائمون بطبعهم أو لسبب من الأسباب، فيرون أن سبعة أيام “ديال البكور” سوف تنتهي دون أن تطول الحملة كبار الأباطرة الذين نهبوا على مر العقود ثروات البلاد، وخربوا الاقتصاد بلاعقاب ولا محاسبة.

استئصال الداء دون بتر الأعضاء

الواقع أن الحكومة نفسها التي تزاوج بين التحفظ والجرأة في الخطاب، لم تضع سقفا محدد لحربها على الفساد، بدليل أن رئيس الحكومة ظل يؤكد لمن يسمعه بأن حكومته لن تذهب في حربها على اقتصاد الريع إلى “مطاردة الساحرات” وهي إشارة فسرها المراقبون بأن هذه الحملة ستكون محدودة كي تنتج آثارها باستئصال الداء دون بتر الأعضاء.
وان كان الأمر كذلك، ستكون حكومة بنكيران  قد أعادت إنتاج حملة التطهير الشهيرة التي قادها الراحل ادريس البصري، من قلب الدار البيضاء على بعض التجار ورجال الأعمال، ثم انتهت بعد أداء وظيفتها إلى فقاعات من صابون غمرت الفضاء السياسي التي كانت تتحكم فيه آنذاك أم الوزارات، غير أن الفرق بين الحملتين ستدرك بعض المصادر المطلعة،  يتمثل في أن الأولى تتعلق بشخص الوزير القوي فى عهده الذي يكون قد صفى بهذه الطريقة بعض الحسابات، فيما الثانية  فرضتها المتغيرات السياسية الجديدة  على حكومة مسؤولة أفرزتها صناديق الاقتراع، وتشتغل في ظل دستور جديد حدد اختصاصاتها من ضمنها مباشرة الإصلاحات.
فما هي أهم  الأسس التي تستند عليها الحكومة في عمليات الاصلاح ومحاربة الفساد؟ هل على الإطار السياسي الذي حدده لها الدستور؟ أم على القضاء كجهاز مستقل من حقه استعمال سلطة الملائمة للتعاطي مع هذا الموضوع الشائك والمعقد؟ أم على منطق الدولة التي قد يكون لها تصورها في تفكيك ألغام الفساد التي هي نفسها ساهمت ذات عهد ولى في زرعها لظروف سياسية لم تعد قائمة في عهد إشراك المجتمع السياسي في القرار وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

ابراهيم عاليا, صحافي مغربي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض