fbpx
بانوراما

سجال في التدين … الاختلاط في صلاة المسجد

سجال في التدين (الأخيرة)

ما معنى أن أكون إنسانا متدينا؟ هل يعني التوقف عن التفكير وخلع العقل عند باب المسجد، قبل الدخول مثلما أخلع النعل، هل يعني شل الإرادة أو تسليمها للشيخ أو السلف، هل معناه فقد الوعي والإغراق في الغيبوبة، عند سماع ذوي الأدعية الصاخبة؟ هل معناه أن يكون المسلم كارها للدنيا نابذا للحياة، لاعنا للمتع محتقرا للجسد متشبعا بثقافة الموت والكآبة؟
أسئلة جريئة يطرحها سعيد ناشيد، الباحث المختص في قضايا الفكر الديني، ويحاول مناقشتها من خلال عناوين ومظاهر عدة تحت عنوان التدين العاقل، وهي قراءة مستفزة تسائل العقل الإنساني في علاقته بالدين، من قبيل طرح علاقة الإسلام بالفطرة.

يتساءل ناشيد “متى كان الرقص ضد الطبيعة البشرية؟ ومتى كان الاختلاط أو الغزل والتغني بالحب ضد الطبيعة البشرية؟ ومتى كان السؤال والتساؤل والشك والاندفاع نحو المجهول ضد الطبيعة البشرية؟
يقول الباحث ناشيد “عندما تملي علينا تصوراتنا الدينية واجبات ضد طبيعتنا الإنسانية، فإننا ندفع بأنفسنا إلى أحد الخيارين، إما ممارسة النفاق الاجتماعي، بحيث نعيش حقيقتنا في الخفاء، ونرضي السلطة الآمرة في العلن، أو أننا نلزم أنفسنا بما لا يلزم فنشل عقلنا ونشوه طبيعتنا ونخرب فطرتنا.

ويبقى البديل هو أحد الخيارين، إما النفاق الذي قد يبلغ حد الانفصام أو التعصب الذي قد يبلغ درجة الغلو في الدين. وأما الحل، حسب ناشيد، فهو ما يسميه خيار التدين العاقل.

معارضون لا يجدون أي نص قرآني أو حديث نبوي يحتجون بهما

من بين المبادئ الأولية للعدالة مبدأ مشهور يقول “البينة على من ادعى..”. بناء عليه، يكون الطرف الذي يمنع الاختلاط في صلاة المسجد، أو يحشر النساء خلف ستار عازل، هو صاحب الدعوى الذي عليه تقديم البينة.

يؤمن الطرف الآخر بالدليل المستمد من النص الديني، لا يحيد عنه قيد أنملة كما يزعم، لكنه حين يحاول البرهنة على دعوى منع الاختلاط في صلاة المسجد، لا نسمع له عنعنة ولا قرآنا، ولا نسمع سوى شبهات مستقاة من العادات، والذوق العام، والحس المشترك. مع ذلك، رغم انتفاء حججهم النصية والنقلية، سنحاول –أملاً في مواصلة النقاش- أن نستعرض حججنا النصية والنقلية، على طريقة، يقولون فنقول، والعاقبة لمن يقرؤون.

جاء في صحيح البخاري الذي يعتبرونه “أصح كتاب بعد كتاب الله”، ما يلي “كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله جميعاً… من الإناء الواحد جميعا”. وفي لفظ آخر، بسند آخر “كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله من إناء واحد ندلي فيه أيدينا”.. وقد رواه أيضاً أبو داود وابن ماجة.

أما عبارة “زمان الرسول” الواردة في الحديث، فلا شك أنها تحيل إلى زمان الرسول كله بلا حصر ولا تخصيص، خلاف ما يتوهم المفسرون/المعسرون.
ثمة حكاية تبين إلى حد كبير وضعية النساء في الصلاة داخل مسجد الرسول. يتعلق الأمر بقصة امرأة حسناء كانت تأتي مبكرا لكي تصلي خلف الرسول، وكان البعض يستقدم والبعض الآخر يستأخر لغاية استراق النظر إلى جمالها أثناء الصلاة. هنا بالذات، لدينا ثلاثة استنتاجات: أولا، تلك المرأة كانت تصلي على الأرجح في الصف الأول أو في الصف الثاني على أبعد تقدير.
ثانيا، الجانب المثير للرجال ليس وقوف المرأة خلف الرسول في مقدمة الصفوف، وإنما جمالها الذي تصفه بعض المصادر بأنه لا مثيل له. ثالثا، على الأرجح كان وجود نساء أخريات ضمن الصفوف الأمامية لصلاة المسجد أمرا اعتياديا.

أما الذين ظنوا – وهم ثلة من الأولين وكثير من الآخرين- بأن المرأة والحمار والكلب يقطعون الصلاة، فإن عـائشة نفسها قد ردت عليهم في ذلك الزمن، وفق ما ورد في صحيح البخاري نفسه، حين احتجت عليهم بالقول “شبهتمونا بالحُمُر والكلاب! والله لقد رأيت النبي (ص) يصلي وإني على السريــر بينـه وبين القبلــة مضطجعة.”
بعد كل هذا، عندما يقول الخطاب القرآني: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض” التوبة 71، فالمؤكد أن الأمر متعلق هنا بمبــدأ الولاية – وما أدراك ما الولايــة- فإن الولايــة هنا لا تخص جنسا بعينه، وإنما هي ولايــة مشتركــة بين كلا الجنسين، سـواء تعلق الأمر بالــولاية في أمور الدين، أو الولاية في أمور الدنيا.

عموما، فإن الذين يزعمون بأن منع الاختلاط في صلاة المسجد، يعد من المسائل المحسومة شرعا، لا يجدون أي نص قرآني أو حديثي يحتجون به ويستدلون، لا يجدون غير عادات بعض السلف.
إن الاختلاط أثناء العبادات في زمن الرسول كان أمرا عاديا، ولم يكن يثير أي سجال، وأن مسجد الرسول لم يكن فيه ستار فاصل بين الرجال والنساء كما أمسى حال مساجد الأمة اليوم.. وأيضاً، مسألة أخرى، طالما نتكلم عن الأدلة الدينية، دعنا نستحضر مقام الحج الذي هو أعظم مقام لدى المسلمين، فإن الاختلاط فيه واقع اعتيادي، لم يثر أي لغط في أي زمن من الأزمنة، اللهم بعض المتأخرين من صقور الكهنوت الوهابي ممن يحاولون بين الفينة والأخرى “جس النبض” حول مدى استعداد العالم الإسلامي لقبول انتكاسة جديدة نحو الفصل بين الجنسين حتى في الشعائر المقدسة. وهم مدركون بأن الناس ما إن يتعودوا على عادة عدم الاختلاط في الحج حتى تصبح تلك العادة عبادة، مثلما حدث في كثير من المسائل الأخرى.

ومن الواضح أن صورة النساء المصليات في المساجد خلف ستار مغلق، تمثل مشهدا يحط من كرامة المرأة المسلمة أمام أنظار العالم، بل لعله مشهد يحط من كرامة الرجال أيضا، فيظهرون بمظهر من لا تأمن النساء جانبهم حتى داخل المسجد الذي قال عنه الرسول، من دخله فهو آمن!.. إنه مشهد يساهم في تكريس علاقات التوجس الغريزي بين الذكر والأنثى، ويؤجج لدى الشباب نظرة شهوانية إلى المرأة لا يحدها إلا وجود عازل يحجب الرؤية، وإنــه لكذلك مشهــد يكرس لدى المرأة المتدينة تصوراً دونيا للذات الأنثوية، حيث يبدو وقوف المرأة خلف الرجل كأنه الوضع الطبيعي الذي تبتغيه المشيئة الإلهية.

من يؤمن بكلام الرسول فهذا كلامه: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله”، متفق عليه. لكننا عندما نحصر صلاة النساء في المسجد داخل مساحة محدودة، أو في ركن منزوٍ، أو خلف ستار عازل، فهذا يعني أننا نقوم بنوع من التسوية بين إرادة رسولنا (عدم المنع)، وإرادة سلفنا (المنع). هل مثل هذه التسوية تجوز؟!

برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق