fbpx
افتتاحية

براغماتيون

لم يستوعب العدالة والتنمية دروس التاريخ السياسي المعاصر بخصوص تحالف الإسلاميين والشيوعيين في الحكم، وأراد، في محاولة أغرقت تجربته الحكومية في أمواج التحالف العاتية، أن ينجح في ما فشل فيه أسلافه بمصر وسوريا وغيرهما من البلدان التي حاول فيها الإخوان البناء على أطلال اليسار.
واليوم مع مجيء العثماني الذي يحاول جاهدا ترجيح كفة البراغماتية الكفيلة وحدها بتقويم المسار السياسي لـ “بيجيدي”، اتضح جليا أن فرض الرفاق على حلفاء الأغلبية لغم الحكومة الأولى ويوشك أن يلغم الثانية، وغابت عن الإخوان قاعدة فقهية من ذهب، وهي أن كل ما بني على باطل فهو باطل.
وعبثا يحاول رئيس الحكومة إخفاء التصدعات الخطيرة في بناءاتها، إذ في الوقت الذي يتغنى فيه الخلفي، الناطق الرسمي باسمها، بالإرادة القوية لصيانة وتدبير الأغلبية الحكومية، وصيانة العلاقة المتميزة التي تجمع الحزب الذي يقود الحكومة بالتقدم والاشتراكية، تعالت أدخنة الشقاق من كواليس الحزبين.
وقد تكون أزمة حقيبة الماء فرصة لإعادة البناء وتصحيح الأساس، خاصة بعد أن اتضح للكثيرين في قيادة العدالة والتنمية أن الحزب دفع ثمنا أكثر مما يستحق لحزب يقف اليوم الند للند لرئيس الحكومة، الذي أزعجه ما اشترطه الرفاق من تقديم تفسيرات شافية للرأي العام الوطني بشأن حذف كتابة الدولة في الماء، وذلك رغم حصول أمينهم العام على أجوبة مقنعة.
تعددت المحطات التي أوقعت العدالة والتنمية في جبهات هامشية أشعل فتيلها حليفه المدلل، واجتهد الإسلاميون في الانتصار له، لكن أن تصل الأمور إلى التستر على هفوات تهم مجالا إستراتيجيا مثل الماء، ذلك ما فطن له العثماني، ورفض أن يدفع المغاربة ثمن خطأ في التحالف ورثه عن سلفه.
لن يذهب الرفاق بعيدا في ردهم، ولن يقدر التقدم والاشتراكية على مجاراة الأصوات الداعية من داخله إلى الخروج من الحكومة، لأن الحكماء الشيوعيين يعلمون علم اليقين بأن الحزب استنفد صلاحيته خارج عباءة الإسلاميين، ولعل أكثر من يرفع صعوبة ما ينتظرهم هو عبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق للعدالة والتنمية، الذي أحرق سفنهم على شواطئ جبهات الحداثة.
لم يعد “بجييدي” كما كان قبل 25 نونبر 2012، في حاجة إلى من يدخله نوادي الحريات الفردية، وهو ما أصبح يدركه رفاق بنعبد الله جيدا، إذ حمل الوزير اعمارة، مسؤولية “تعديل الحكومة” واقتراح حذف كتابة الدولة الذي لم يأخذ “أبدا” حسب بلاغ للمكتب السياسي بعين الاعتبار الضوابط الأخلاقية، في وقت تتعالى الأصوات محذرة من التأخر في معالجة مكامن الخلل في القطاعات الوزارية الاجتماعية التي يتحمل الرفاق أخطر حقائبها، ما ينذر بسقطة جديدة لهم قد تنتهي بهندسة حكومية جديدة تضع حدا لوجودهم ضمن الأغلبية، ليجدوا أنفسهم في وضع حرج داخل المشهد السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق