fbpx
بانوراما

حكايات ليالي الموسم

في خيمة علام 2

لم تخل أيام الصيف من مواسم حج إليها الفرسان من المدن قبل البوادي وضاقت المحارك بالخيل في تجمعات صغيرة وكبيرة، وتسابق أصحاب السربات على حجز بطاقات المشاركة في مسابقات التبوريدة، التي زادت مجهودات الأميرة الراحلة للا أمينة من حدة التنافس فيها، إذ أصبح لـ “العلامة” هدف سنوي من خلال محاولة الظفر بواحدة من جوائز المسابقة الوطنية بدار السلام، ما نجمت عنه عودة الروح إلى طقوس وتقاليد نجت من حكم النسيان بفضل رجال لم تخطئ العيطة عندما قالت في حقهم “مالين الخيل خرجو الفعايل”.

هناك عائلات توارث أفرادها حصان العلام في «سربة» القبيلة لعشرات السنين، كما هو الحال بالنسبة إلى أسرة فرح بصخور الرحامنة، التي احتكرت رتبة المقدم منذ قرن من الزمن، إذ تأسست سربة “المزاويك” في عشرينات القرن الماضي، وحتى عندما تخلى المقدم الحالي سي مبارك عن البندقية لابنه، لن يكون بمقدوره التخلي عن طقوس شيخ التبوريدة، فلا بد لكل من أراد أن يكون علاما أن يحظى بموافقة شيخ يأخذ منه إجازة القيادة.
وعكس سي مبارك، بقي جده زمنا طويلا شيخا ومقدما في الوقت نفسه إلى أن وافته المنية على ظهر حصان، إذ مات بعد صلاه العصر في موسم سيدي بنعزوز بابن جرير، وبعدما تولى الوالد مهمة السربة، فتح الباب على مصراعيه للجيل الثالث من فرسان الأسرة في شخص سي مبارك، الذي لم يتجاوز حينها العاشرة من عمره، للخروج مع الفرسان دون أن يحظى بشرف الركوب على خيول الأسرة، ولم تشفع له سلالة “المقدمين”، التي ينتمي إليها في الحصول على عفو للمرور فوق صراط “تعمار المكاحل”، إذ تكلف منذ نعومة أظافره بإعداد سلاح والده قبل كل حركة.
لكن لم تمر سوى سنوات قليلة ليجد سي مبارك نفسه على سرج القائد، إثر وفاة والده وهو دون الخامسة عشرة من عمره، واستمر في منصب العلام لأكثر من 60 عاما، لم يستسلم، وهو في يشارف الثمانين عاما، حرجا في التنحي لأنه أصبح شيخا وسط الشباب ولابد أن يمنح زمام “السربة” لولده الذي لازمه في خيمة العلام لسنين طويلة.
ويحرص الخيالة على وجود سي مبارك بينهم، ولو لم يركب معهم، فإن حكاياته في ليالي الموسم تشكل ذاكرتهم، خاصة عندما يحدثهم كل ليلة عن تاريخ دوار العرب المزاويك بقلعة السراغنة، فهو يصر على تذكيرهم بأن أهل الدوار ينتسبون إلى مولاي ابراهيم أمزوك، ومنه إلى الجد الأكبر، مولا عبد الله أمزوك.
ويرجع سي مبارك تجذر التبوريدة عند المزاويك إلى الطابع الحربي الذي كان سائدا في الرحامنة. فقد واجه مولاي ابراهيم أمزوك، أول الأجداد القادمين إلى الرحامنة، عددا من الأهوال والمصاعب أثناء خوضه حروبا ومعارك بلا انقطاع، ما اضطره إلى الهروب جنوبا في اتجاه الصحراء، مستشهدا على صحة كلامه بوجود اسم أولاد جرار، نسبة إلى قبيلة من الأتباع الوافدين على أمزوك، في مكان على مشارف كلميم باب الصحراء.
ويفتخر أهل المزاويك بأن جدهم كان فارسا حقيقيا، وليسوا وحدهم في ذلك، على اعتبار أن هذا المحارب يوجد له حفدة في ربوع كثيرة، من الجديدة إلى تخوم الصحراء، إذ يحكي سي مبارك أن لجده ممتلكات في “بوجان” و”مريرت” و”ماسة” و”منقع” و”راس الخنفرة” وفي الجبل المطل على مراكش، الذي توفي به وهو في طريق عودته من حرب الصحراء.
ارتباطهم بالصحراء فرض على سربة أهل العرب المزاويك الوفاء لوعد أخذه الأجداد على أنفسهم، منذ قرون وإلى اليوم، بالمشاركة في كل مواسم التبوريدة التي تقام في الأقاليم الجنوبية، إذ سافر سي مبارك بسربته خلال السنوات الأخيرة إلى طانطان وبوجدور والسمارة، بالإضافة إلى مواسم مراكش وسيدي رحال.
ياسين قطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى