fbpx
بانوراما

الحقيقة الدينية متعددة

سجال في التدين 2

ما معنى أن أكون إنسانا متدينا؟ هل يعني التوقف عن التفكير وخلع العقل عند باب المسجد، قبل الدخول مثلما أخلع النعل، هل يعني شل الإرادة أو تسليمها للشيخ أو السلف، هل معناه فقد الوعي والإغراق في الغيبوبة، عند سماع ذوي الأدعية الصاخبة؟ هل معناه أن يكون المسلم كارها للدنيا نابذا للحياة، لاعنا للمتع محتقرا للجسد متشبعا بثقافة الموت والكآبة؟
أسئلة جريئة يطرحها سعيد ناشيد، الباحث المختص في قضايا الفكر الديني، ويحاول مناقشتها من خلال عناوين ومظاهر عدة تحت عنوان التدين العاقل، وهي قراءة مستفزة تسائل العقل الإنساني في علاقته بالدين، من قبيل طرح علاقة الإسلام بالفطرة.

يتساءل ناشيد “متى كان الرقص ضد الطبيعة البشرية؟ ومتى كان الاختلاط أو الغزل والتغني بالحب ضد الطبيعة البشرية؟ ومتى كان السؤال والتساؤل والشك والاندفاع نحو المجهول ضد الطبيعة البشرية؟
يقول الباحث ناشيد “عندما تملي علينا تصوراتنا الدينية واجبات ضد طبيعتنا الإنسانية، فإننا ندفع بأنفسنا إلى أحد الخيارين، إما ممارسة النفاق الاجتماعي، بحيث نعيش حقيقتنا في الخفاء، ونرضي السلطة الآمرة في العلن، أو أننا نلزم أنفسنا بما لا يلزم فنشل عقلنا ونشوه طبيعتنا ونخرب فطرتنا.

ويبقى البديل هو أحد الخيارين، إما النفاق الذي قد يبلغ حد الانفصام أو التعصب الذي قد يبلغ درجة الغلو في الدين. وأما الحل، حسب ناشيد، فهو ما يسميه خيار التدين العاقل.

الأفكار الثابتة والمطلقة غير القابلة للنقاش مقدمة لممارسة العنف

ينطلق ناشيد من التذكير بمبدأ متفق عليه في الفكر السياسي المعاصر، هو أن الإيمان بوجود حقيقة واحدة ثابتة ومطلقة هو المدخل الرئيس لممارسة العنف بمختلف أبعاده وأنماطه.

مقابل ذلك، من المحال أن يدفع الشك الإنسان إلى اقتراف أي نوع من أنواع العنف، وإنما الذي يقود إلى تفشي مظاهر العنف في معظم الأحوال هو وهم امتلاك اليقين الذي لا يشوبه شكّ ولا يُريبه ارتياب.
لهذا الاعتبار، بوسعنا أن نعتبر ثقافة الشك ترياقا ضد مرض اليقين المفضي إلى أعراض العنف. فما إن يدرك النّاس بأن حقائقهم نسبية متعددة ومتغيرة حتى يصبحوا أكثر قدرة على التعايش السلمي والعيش المشترك. ودعنا نقل بصريح العبارة، من المحال بحكم الأحوال أن يمارس الإنسان العنف من أجل حقيقة يدرك بأنها قد تتغير خلال أجل منظور، أو قد تدرك من زوايا نظر مختلفة فتبدو مغايرة، لكنفوق هذا وفوق ذاك، ثمة قناعة موازية بأن إصلاح العقول لا يستدعي بالضرورة أن يهجر الناس “حقائقهم” كلها.

ولا يقتضي الأمر أن يفرغ الناس عقولهم على طريقة سلة تفاح ديكارت -رغم أن تفاحة فاسدة واحدة قد تفسد سلة التفاح بأكملها كما ينبهنا ديكارت- إلا أن إفراغ السلــة قد يكون جهدا استثنائيا غير ميسر للجميع. إنه ليس بالإجراء الواقعي عندما يتعلق الأمر بالشعوب، وبالأحرى عندما يتعلق الأمر بمعتقداتها الدينية.
إن الخيار الأكثر حكمة وفعالية في هذا الباب أن يقتنع الناس بأن “حقائقهم” التي يؤمنون بها –وهذا حق لهم- تبقى نسبية، متغيرة ومتعددة، وذلك تبعا لتقلبات الوجدان ونقائص الكينونة، وحدود الأفهام، ورسوخ الأوهام.

فالملاحظ أن فكرة الحقيقة الواحدة، والحق الواحد، داء عضال وعطب قديم أصاب العقل الإسلامي ولازمه لقرون طويلة، منذ لحظة إحراق المصاحف قصد الإبقاء على مصحف واحد، وهي اللحظة التي لم تنل نصيبها من التقييم الديني العاقل، أو ليس بعد.

وقد تفاقم الوضع إبان عصور الانحطاط، إلى أن أصبحت التعددية الدينية تبدو كأنها رديف الشرك الذي هو أكبر الكبائر عند الله! غير أن المقال الذي نحاول بسطه في هذا المقام، يميط اللثام عن فرضية دينية غائبة أومغيبة: التعددية الدينية أساس الخبرة الدينية في معظم الأديان، وضمنها الإسلام، رغم تحجر الناطقين باسمه من باب انتحال الصفة. ودعنا نقل، ممكنات التعددية الدينية كامنة في قيم الخطاب القرآني نفسها، بل بادية فيها لفظا ومعنى، رغم سوء الأحوال، وكثرة الأهوال، وتضارب الأقوال.

من حيث مبدأ الألوهية: إن وحدة الله (توحيد الربوبية) لا تعني أن هناك ديناواحدا، ومذهبا واحدا، ومنهاجا واحدا، وفرقة ناجية واحدة… لكنها تعني أن كل الأديان وكل المذاهب وكل المناهج متكافئة في التعبير عن نفس المبدأ الربوبي: “وقضى ربك ألا تعبدوا إلاإياه” الإسراء 23. كلمة قضى هنا –كما يوضح ابن عربي في الفتوحات المكية- تحمل إخبارا بالحكم المتحقق في كل الأحوال، لا مجرد دعوة لما يجب أن يكون على حال محدد.

وهذا ما تؤكده فقرة أخرى من فقرات الخطاب القرآني “أغير الله تدعون إن كنتم صادقين، بل إياه تدعون، فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تُشركون “الأنعام 40 و41، وهي آية تؤكد بلغة صريحة –وحسب توضيح ابن عربي في فتوحاته- بأن كل العبادات والديانات ما هي إلا أوجه متعددة لنفس المبدأ الإلهي، سواء أدرك الناس ذلك أم لم يدركوه ” بل إياه تدعون” الأنعام 40 و41.

بهذا المعنى لا يدل التوحيد على الطريق الواحد أو الطريقة الواحدة، وإنما يدل على تكافؤ كل الطرق وتعادل كل الطرائق، يدل على أن الدين ليس ملكاعقاريا يحتكره بعض الخلق على حساب بعض الخلق، وليس خندقا لتحصين الذات وعزلها عن الآخر المختلف، لكنه يدل بالأساس على تكافؤ الدلالات الدينية وتعادل الأدلة الغيبية، وإرجاء الحكم النهائي إلى ما بعد الحياة وفق رأي المرجئة. إن التعددية الدينية بهذا المعنىقدر حياتي ودنيوي لا محيد عنه.

برحو بوزياني

تعليق واحد

  1. نتمنى ان يتعزز هذا الركن بفقرات اخرى تعنى بشؤون الفكر و الثقافة فقد اصبنا بالثخمة و الاشباع حد القرف من صفحات الطبخ و اخبار المشاهير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى