منبر

القوة الاقتصادية التركية في مواجهة الصين

تركيا فشلت حتى الآن في لعب دور الزعيم الإقليمي

ينكشف في الآونة الأخيرة أكثر فأكثر حذر الولايات المتّحدة من الصين بوصفها قوة ناهضة تلعب دوراً إقليميّاً وعالميّاً يهدّد دورها كقوّة عظمى وحيدة تمتدّ شبكة مصالحها على مستوى العالم، وهو أمر من شأنه أن يهدّد مصالحها الحيوية وأمنها القومي. فيما

ترى الصين بدورها أن ثمة ضرورة للتوجه نحو عالم متعدّد الأقطاب لا تكون فيه هيمنة أمريكية، بل توازن بين القوى المختلفة، إلا أن المصالح الاقتصاديّة التي تربط بين البلدين دفعت بمراكز الأبحاث والدراسات المختصّة بآسيا والصين للتنبيه إلى «الخطر الصيني» وإلى ضرورة التفكّر بكيفيّة احتوائه على الصعد الدبلوماسية والاقتصادية وحتّى الأمنية والعسكرية.

على الصعيد الاقتصادي، تعتبَر الصين الشريك التجاري الثالث على مستوى العالم مع الولايات المتّحدة الأميركية بعد اليابان وكندا، فيما شهد حجم التبادل السياحي بين البلدين ارتفاعاً من 2.35 مليون سائح في العام 2006 إلى 3.08 مليون في العام 2010، بنسبة نموّ بلغت 7 في المائة سنوياً. وتحتلّ الصادرات الصينيّة لأميركا 21 في المائة من إجمالي الصادرات الصينيّة مع دول العالم، وترتفع الصادرات الأميركية للصين بمعدل سنوي تبلغ نسبته 21.5 في المائة منذ العام 2001، بالإضافة إلى استثمار الصين مليارات الدولارات في سندات الخزينة الأمريكية.
وقد أكّد نائب الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارة للولايات المتّحدة مؤخراً أن العلاقات التجارية الصينيّة الأميركية تتمتّع بالتكامل المتبادل الواسع النطاق، ودعا إلى تسوية النزاعات التجارية عبر الحوار والتعاون بدلاً من الحمائية التجارية، بحيث أعلن أن رجال الأعمال الصينيّين والأمريكيّين قدّموا إسهامات مهمة في التعاون الاقتصادي والتجاري والعلاقات الثنائية منذ تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إذ سجل إجمالي حجم التجارة الثنائية للعام الماضي رقماً قياسياً وصل إلى 446.7 مليار دولار أمريكي، بارتفاع 16 في المائة مقارنةً مع العام 2010، مع توقّع تجاوزه قيمة 500 مليار دولار أمريكي في غضون عامين أو ثلاثة.
أما على الصعيدين السياسي والأمني، فقد تجسّدت إستراتيجية الولايات المتّحدة بإحاطة الصين بالأعداء، والزجّ بها في صراعات مع دول مختلفة في العالم، منها الهند واليابان، وكوريا الجنوبيّة، إلى جانب إثارتها المسألة التايوانيّة وحذرها من قيام أيّ تحالف استراتيجي بين روسيا والصين، فضلاً عن محاولات أمريكا الّلعب على التمايزات العرقية والدينية والثقافية والحضارية داخل الصين نفسها.
لعلّ حرص أمريكا على الوجود العسكري في آسيا للحيلولة دون تحوّل الصين إلى قوّة إقليميّة، وتحفّظها ورفضها الدائمين لتزايد الإنفاق العسكري (يمثّل الإنفاق العسكري للصين  6 في المائة من حجم الإنفاق العسكري في العالم مقابل 43 في المائة للولايات المتّحدة الأميركية)، يوازيه اتجاه أمريكي أيضاً لردع الصين عن أن تكون قوّة اقتصاديّة، وذلك على الرغم من كلّ المصالح الاقتصاديّة التي تربط بين البلدين؛ إذ شهد الاقتصاد التركي نموّاً ملحوظاً بعد العام 2004 بعدما راود تركيا الأمل بدخول الاتّحاد الأوربي كعضو كامل، فبدأت تركيا بتسديد ديونها لصندوق النقد الدولي التي كانت قد بلغت قبل عقد نحو 25.6 مليار دولار، ونجحت في تخفيض نسبة البطالة إلى 9.1 في المائة، ما زاد ثقة المستثمرين فيها، وجعلها تتبوأ مكانة اقتصاديّة بين أفضل الدول الأوربية، وتفتح أسواقاً جديدة في الدول العربية والآسيوية.
واللافت في هذا السياق أن تركيا التي تتموضع في الرتبة 16 عالمياً لجهة القوّة الاقتصادية، والتي يحرّكها تنافسها مع إيران في مواجهة إسرائيل، فشلت حتّى الآن في لعب دور الزعيم الإقليمي.
وبغض النظر عن الأسباب، وهي متعدّدة ولا مجال للغوص فيها، يكفي القول إنها-أي تركيا- التي أدارت مفاوضات سوريا- إسرائيلية غير مباشرة في العدوان الإسرائيلي على لبنان العام 2006، والتي استنكرت بشدّة العدوان الإسرائيلي على غزة العام 2008، وطردت السفير الإسرائيلي من أنقرة، أخذت في الآونة الأخيرة -على حدّ تعبير خليل حسين في مقال له بعنوان «معوقات الزعامة التركية في المنطقة العربية» نشر في صحيفة الخليج الإماراتية 27/9/2011- في التحرّك خارجياً عبر سياسة المساعدات الاقتصادية كذراع من أذرع السياسات الخارجية لأيّ طموح إقليمي واعد في اتجاه دول الجوار الجغرافي، وصولاً إلى القرن الإفريقي عبر الصومال من بوابة المساعدات الإنسانية، كمحاولات للانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً واتساعاً ذات أبعاد قارية لا إقليمية فقط. علماً بأن وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير كان دعا منذ عامين المسؤولين الأتراك لبلورة تعاون مشترك مع فرنسا بهدف كبح جماح المنافسة الصينيّة في المناقصات المطروحة في إفريقيا، وذلك خلال مناقاشات الميزانية التي دارت في البرلمان الفرنسي.
فيما عزا رجل الأعمال التركي ذو الأصول الفلسطينية، إبراهيم ياسين زيادة الاهتمام بالسلع التركية في الدول العربية إلى التلاسن الشهير الذي حدث بين رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في منتدى دافوس ودور تركيا الإيجابي في المنطقة.
لقد شكّل دعم الولايات المتّحدة الأمريكيّة للتجارة التركيّة في المنطقة العربيّة في مواجهة الاقتصاد الصيني أبرز الاستراتيجيات في هذا الإطار، وذلك تأسيساً على أهمية الدور التركي في إحياء «نظرية قلب الأرض القديمة»، التي تنطلق من أن مَن يحكم قبضته على هذه المنطقة يكون قد أحكم قبضته على العالم بأسره.

عن مؤسسة الفكر العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق