منبر

التعليم بين المعرفة وغسل الدماغ

المهتم بالشأن التعليمي يتبدى له أن تعليمنا كان بالأمس يغلب كفة الكيف، وكان يسهل على كل الأطراف بيداغوجية التحصيل وإنجاح التعليم: الأسرة كانت لا تكلفها كثيرا من الناحية المادية. والتلميذ كان بدوره يجد راحته في البرامج التي يسهل عليه استيعابها. أما المدرس، فكان يجد الوقت الكافي لأداء مهمته. كانت المدرسة فضاء جذابا، وكنا نتشوق لنلتحق بها. كنا ندرس ونجتهد ونمرح.

أما في السنوات الأخيرة، فبدأنا مع الأسف نلاحظ كتبا كثيرة وبعناوين متنوعة في اللغة والتاريخ والجغرافية والرياضيات والفيزياء…. وتتغير كل سنة، تثقل كاهل الأسر من الناحية المادية. أما المدرس فيجد نفسه مطالبا ببذل جهد مضاعف. إن الميزة البارزة في نظامنا التربوي هي أن المدرس مجرد منفذ لسياسة تربوية لا يساهم في وضع برامجها. ولا يستطيع التلميذ استيعاب أي شيء بحيث يجد نفسه تائها بينه، لأنها تفوق طاقته، ولا يفكر إلا في النفور من المدرسة.
إنها نتيجة إغراق المناهج في الشكليات والتقنيات. بدأنا نلاحظ تغيير برنامج ببرنامج، واستنساخ منهاج لمنهاج. فالحلول الجاهزة المستوردة (بيداغوجية الإدماج– بلجيكا) أو المستنسخة لا يمكن استنباتها في بيئة مغايرة.
إن تغييب سياسة تعليمية واضحة يفسح المجال لتفريخ برامج وهمية لتغطية الفشل في تدبير القطاع، وذلك من أجل تلميع الصورة، وإظهار أن هناك منجزات تتحقق.  
يؤكد علم النفس التربوي على مراعاة العمر العقلي للتلميذ /الطفل، ليجد الرغبة والثقة في التعلم، وجعل المدرسة فضاء جذابا، لكي يحس بالأمن ويكون موضع عطف وعناية، ويشعر بالقبول وبالتقدير ولا يتعرض للنبذ والكراهية.
إن تخفيض معدل النجاح له عواقب وخيمة على المنظومة التعليمية، فهو لا يخلق الجو المناسب للتحصيل والتنافس: في الدول المتقدمة مثل ألمانيا يهتمون بالتلميذ الأقل تفوقا، لكن بالمغرب، يحدث العكس يهتمون بالمتفوق، ويحتقرون الأقل تفوقا. هذا الأخير يحصل له استياء وإحباط وبالتالي يقاطع المدرسة. هذه الممارسات المشينة تم تسجيلها بنيابة الجديدة في الأسبوع الثالث من فبراير، حيث نظمت حفل احتفاء لفائدة المتفوقين. إننا نسجل التراجع الخطير في تصنيف المغرب على المستوى العالمي في الرياضيات، إذ احتل الدرجة ما قبل الأخيرة.
كما أن مؤشرات مؤسسة الوسيط حول حصيلة المنظومة التربوية تشير إلى عدم الحسم في اختيار المناهج التربوية المتصلة بالتعليم الأولي وإفساح المجال للتجريب غير المتجانس.
إن الدخول المدرسي لموسم 2013/2014 سيشهد طبع 36 مليون نسخة من الكتاب المدرسي، بمبلغ 500 مليون درهم. هل أصبح قطاع التعليم خاضعا لتوصيات المؤسسات المالية الدولية التي تعتبره قطاعا غير منتج، أم  حقل تجارب، أم أنه أصبح خاضعا لقيم براغماتية فرضتها العولمة، والتي تتجلى في ترويض الإنسان لتمرير منظومة قيم السوق والاستهلاك؟ الإنسان في الغرب مجرد فاعل مستهلك.
يعتبر نموذج كوريا الجنوبية من أحسن الأنظمة التعليمية في العالم، لأنها تبنت إستراتيجية وطنية تركز اهتماماتها على البرامج والمناهج، لكي يمتلك تلاميذها المعلومات والمعارف والمهارات والمفاهيم الأساسية، في حين أن تعليمنا يعمل على خنقها، فنجاح التعليم في كوريا مرده الاهتمام بالمدرسين في المرحلة الابتدائية.  
إني أتأسف لأن جامعاتنا ما تزال تقيم اعتبارا للتخصص الذي يتناقض مع المعرفة. التعليم لم يعد يتماشى والتقسيم القائم. إن مجتمع المعرفة الحالي سمته الأساس في أن ما يسمى التخصص أصبح متجاوزا. والمؤسف أن مذكرة وزارة التعليم العالي 0209/01 بتاريخ 31 مايو 2011 تكرس مفهوم المسالك، فمتى نسمح لطلبة العلوم والفلسفة دراسة الإبستيمولوجيا، ومتى نسمح لطلبة التاريخ دراسة علم الاجتماع، ومتى نسمح لطلبة العلوم السياسية دراسة علم المستقبليات، ألا تحل الرياضيات مشكلا في الكيمياء والإعلاميات؟ أين السمة التكاملية بين العلوم ؟.
إن قراءة نقدية للإصلاح الجامعي تبين أنه نخبوي هدفه غسل الدماغ والحد من توسيع قاعدة المعرفة، ومحاربة الكفاءة وعرقلة مسيرة البحث العلمي. ويكفينا التصنيف المخجل لتعليمنا العالي، إذ أن أول جامعة مغربية تحتل الرتبة 3412 عالميا.
أما التعليم الذي نطمح إليه، فهو تعليم المعرفة، وهي نوعان: معرفة منتجة، ومعرفة منتجة (بكسر التاء)، والتي نسميها ما وراء المعرفة، أي المعرفة التي تتخذ المعرفة موضوعا لها: تدرسها، وتفككها وتبرهنها وتنتقدها وتصنعها.
مهمة التعليم تدريس المعرفة بالطبع، لكن المهمة الأعمق هي تجذير ممارسة الثانية، أي تعليم الطالب اكتساب ما نسميه العقلية العلمية. مهمة التعليم الأنبل والأقدس هي تعليم أجمل كلمة:”لا” لغة العقل. تاريخ المعرفة ما هو إلا سلسلة لاءات. الكلية يجب أن تعلم الطالب كيف يبرهن صحة “لائه” من ناحية، وأن يخترع “نعم” بديلة تعلمه أن كل من صنعوا التاريخ قالوا “لا”، فيما العبد هو من يردد “نعم”، كلية تعلمه منهجية التساؤل والنقد المتواصل، كيف يحول دماغه إلى “لجنة رقابة” تغربل المعرفة المنتجة       (بنصب التاء)، مبدؤه الرئيسي هو كل ما يتوصل به من معارف وأطروحات تبقى افتراضية ما لم يبرهن عليها علميا. كيف يبني فرضية على أنقاض فرضية أخرى، كيف يصنع المعرفة، يعرف ما يعرفه الآخر. فالمسافة شاسعة بين نوعين من التعليم: أحدهما يعلمنا كيف لا ندري أننا لا ندري، والآخر يعلمنا كيف نتعلم أن نتعلم. المعرفة لم يعد الأساس فيها ماذا نعرف، بل ماذا نعرف عن الذين يعرفون، فالأمي في المستقبل ليس هو من لا يعرف القراءة والكتابة والحساب فقط، بل الذي لا يعرف كيف يتعلم، ويعيد تعليمه ويتعلم من جديد، ويتعلم كيف يتعلم.
للوصول إلى مجتمع المعرفة، لابد من تبني إستراتيجية ورؤية مستقبلية على المدى البعيد: إنها حتمية التعلم وإعادة التعلم إلى ما لا نهاية، لتجاوز تأخرنا التاريخي بواسطة المعرفة التي تحتاج إلى جامعة وطنية حيوية ومنتجة يكون لها السبق في عالم يحتدم فيه الصراع بشكل غير مسبوق حول المعرفة والعلم.  
إن أي إصلاح تعليمي أو جامعي لا يأخذ بعين الاعتبار كل هذه المعطيات مقرونة بإرادة سياسية سيشرعن التخلف، لأن مشكل التعليم ليس تقنيا، إنه سياسي بامتياز.  

د. مصطفى البوروطي, متصرف بوزارة التعليم العالي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق