بانوراما

مناضلات خارج دائرة الضوء … حفيظة آيت عيسى

نساء يشتغلن في صمت، لكن بإصرار وتحد، ويكابدن الصعاب من أجل تحسين مستوى عيشهن وعيش أسرهن. إنهن نساء عاديات ليس لهن، في الغالب، أي دبلومات، يعشن بمناطق صعبة، لكنهن تمكن من تغيير نمط عيشهن وتحولن إلى فاعلات في محيطهن، ما جعلهن يحملن لقب مناضلات عن جدارة واستحقاق. تمكن بمساعدات محدودة من قبل منظمات المجتمع المدني الوطنية والأجنبية ومؤسسات الدولة من إقامة مشاريع تضمن لهن الحد الأدنى من الاستقلالية المالية. “الصباح” زارت بعضهن واستمعت إلى قصصهن وتجاربهن في الحياة.

الحلقة الخامسة: حفيظة آيت عيسى … سيدة الأعشاب

عندما تعشق فعل شيء، فإنك تبدع فيه، وبالفعل فقد نجحت حفيظة آيت عيسى في تحويل قرية بنقريش، بالقرب من تطوان، إلى مشتل لمختلف الأعشاب الطبية والعطرية. لم تدخل الميدان من باب الصدفة، بل عشقها للأرض وللنباتات جعلها تترك الحاضرة وتتوجه إلى قرية دار بن قريش على بعد كيلومترات من مدينة الحمامة البيضاء، لتنشئ مشروعها المتمثل في وحدة لتحويل الأعشاب العطرية والطبية إلى منتوجات متنوعة. ترعرعت في أسرة فلاحية جعلتها تعشق الأرض وممارسة الأنشطة الفلاحية منذ صغرها.

لذا رغم متابعة دراستها بالمغرب والخارج، خاصة بإيطاليا، حيت تلقت تكوينات في مجال النباتات، عادت إلى المغرب لتجدد ارتباطها بالأرض، وانطلقت في البداية بإنتاج الخضر وبيعها لسوق الجملة بالبيضاء، قبل أن تقرر تركيز نشاطها على الأعشاب العطرية والنباتية.

أنشأت جمعية “عين لحجر”، خلال 2007، من أجل تكوين النساء على الأعشاب الطبية والعطرية وتحسيسهن بأهمية الحفاظ على البيئة. وعرفت الجمعية إشعاعا كبيرا بفعل الخدمات التي كانت تسديها لنساء المنطقة، لكن لم يكن بالإمكان تحويل المهارات التي اكتسبتها المنخرطات والمستفيدات من العمل الجمعوي إلى مصدر للدخل، فتقرر تأسيس تعاونية “نوارة عين لحجر”، التي ستعمل على تحويل النباتات إلى منتوجات قابلة للتسويق.

تشتم رائحة الأعشاب العطرية على بعد عشرات الأمتار من مقر التعاونية، إذ خصصت مساحة مجاورة لمقر التعاونية لزراعة الأعشاب. لجأت التعاونية، في بداية مشوارها، تقول حفيظة، إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من أجل الحصول على التمويل لتنمية المشروع، وذلك خلال مرحلة الانطلاقة ما بين 2008 و2010.

وامتد إشعاع التعاونية إلى كل المناطق المجاورة، إذ مع تزايد الطلب على المنتوجات، كان من الضروري توسيع المساحات المزروعة. لذا أصبحت التعاونية تهيئ الشتلات وتؤطر فلاحي المنطقة على الإنتاج وفق معايير الفلاحة البيولوجية لضمان منتوجات أصيلة.

وكان من الضروري تجهيز التعاونية لمعالجة المادة الأولية المتمثلة في الأعشاب، فلجأت التعاونية إلى وزارة الفلاحة، في إطار مخطط المغرب الأخضر، لتحصل على الدعم المطلوب، ما مكنها من اقتناء آلة لتجفيف الأعشاب والتقطير، وتنتج التعاونية الزيوت الأساسية للنباتات العطرية والطبية، ومشتقاتها، كما تصنع بعض أنواع الصابون، المستخلص من مواد طبيعية، والزيوت المستعملة لوقاية البشرة من أشعة الشمس.

تسوق التعاونية منتوجاتها عبر مجموعة من القنوات، إذ مكنتها اتفاقية مع سلسلة المساحات التجارية الكبرى، من إيصال منتوجاتها إلى مختلف المدن المغربية، وكانت التعاونية، في البداية، تتعامل مع “مرجان الدار البيضاء”، لكن بتدخل من وكالة التنمية الفلاحية، أصبحت تتعامل مع مختلف وحدات السلسلة التجارية.

كما تصرف منتوجاتها عبر محلات التجارة التضامنية التابعة لـ”مغرب تسويق” والسوق التضامني التابع لوزارة الفلاحة بالوازيس بالبيضاء، إضافة إلى المعارض، سواء داخل المغرب أو خارجه.

توسع نشاط التعاونية ليشمل منتوجات أخرى، خاصة العسل، وتمكنت من الحصول على جائزة أحسن منتوج في المعرض الدولي للفلاحة بمكناس في الدورة الأخيرة على منتوجها من العسل، كما حازت على جوائز عديدة تخص منتوجات أخرى. ساهمت التعاونية بشكل ملحوظ في تحسين مستوى عيش نساء المنطقة، لكن النجاح بالنسبة إلى حفيظة آيت عيسى هو رحلة وليس محطة يتم التوقف عندها.

عبد الواحد كنفاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق