بانوراما

ذاكرة الكاريانات: دوار السراغنة … “سُلة” مراكش

الكاريانات…ذاكرة تقاوم المحو 8

لا تجتث معاول الهدم، التي تنشط، هذه الأيام، بعدد من الكاريانات ودواوير الصفيح بالمغرب “آخر براكة” تحقيقا لمشروع “مدن دون صفيح”، بل تشطب على جزء أساسي من تاريخ المغرب الحديث وذاكرة جماعية طافحة بالأحداث والأسماء والصور والشهادات، يجتهد بعض الباحثين والأساتذة الجامعيين في الحفاظ عليه بصعوبة كبيرة.

طريق عجائبي يقود إلى فوضى البناء العشوائي بضواحي مراكش. يبدأ بتناقض صارخ، ظاهره إقامات سكنية وفلل راقية، وباطنه وجه بشع لعشوائيات مترامية، ثم يتعرج إلى فروع عديدة ملتوية ومخيفة، بين بيوت وزرائب ومساحات متروكة وأبنية عشوائية ذات دور واحد أو ثلاثة طوابق أو حتى أربعة وأكثر، وممرات بها حفر وأكوام نفايات هائلة ومظاهر عجيبة وغريبة، تطرح تساؤلات صارخة عن المسؤولين وراء تنامي عشوائيات مراكش التي أصبحت بمثابة قنابل موقوتة على وشك الانفجار.

ويعيش دوار السراغنة بملحقة رياض السلام بتراب مقاطعة جليز، في الآونة الأخيرة غليانا وسباقا محموما مبنيا على التنافس لمعرفة من سيشيد أعلى طابق بالمنطقة، حتى وصلت عدواه إلى الفيلات والتجمعات السكنية المجاورة، إذ يقف المنزل المكون من طابق أرضي زائد آخر علوي جنبا إلى جنب مع منزل الثلاثة طوابق والأربعة.

وشكل دوار السراغنة، على مدى عقود، ملاذا لسكان القرى المجاورة لمراكش الذين اضطرتهم ظروف خاصة إلى الهجرة للإقامة بضواحي المدينة الحمراء.

ويرجع اسم “السراغنة” إلى قبائل إقليم قلعة السراغنة التي استوطنت البقعة الأرضية التي تقع بالجهة الشمالية لمراكش، وحولتها إلى “كاريان”، وهو عبارة عن بيوت واطئة تفتقد لأبسط شروط العيش، “يلتحم” فيها البشر مع الدواب في حميمية مغلفة، تخفي وراءها بؤس البادية المغربية، التي ظلت رمزا للكرم و العزة.

وبعد انتقال السكان للعيش بضواحي المدينة، اشتغلوا في البداية في المجال الزراعي، وشقوا آبارا لري المحاصيل الزراعية، إذ ظلت المنطقة المزود الرئيسي لمراكش بالعديد من المنتوجات الفلاحية، لكن مع توالي سنوات الجفاف في ثمانينيات القرن الماضي، جفت مياه الآبار والسواقي وتقلص النشاط الفلاحي.

وفي الوقت الذي اعتمدت بعض الدواوير المجاورة على مجاري الصرف الصحي لسقي المنتوجات الزراعية، تحول اهتمام سكان دوار السراغنة إلى التجارة الجائلة، منهم اشتغل بقطاع البناء الذي عرف تطورا ملحوظا، ما جعل سكان الدوار يقومون بتغييرات على الأكواخ العشوائية التي استقروها بها عند التحاقهم أول مرة.

في المقابل، بدأت فوضى البناء العشوائي بدوار السراغنة، تقضم الأراضي الزراعية المحدودة المجاورة، وأصبحت المباني تنبت مثل الفطر في كل مكان، مما خلق مظاهر متناقضة، حيث قطيع الأبقار والحمير والكلاب الضالة تجدها تتجول وترمي فضلاتها بجانب الفيلات السكنية “الراقية”. وحيث لا مجاري هناك، فإن مياه الصرف الصحي تزكم الأنوف بالروائح الكريهة، والأخطر أنها تستعمل لسقي حقول الخضروات القريبة، ما يجعل المكان مهددا بالأمراض والأوبئة المختلفة.

واستفاد الدوار الذي التحق بالمجال الحضري في 1992 من عملية إعادة الهيكلة، بعد أن شهد في فترة سابقة عملية هدم بنايات عشوائية، وهي العملية التي لعب فيها بعض رجال السلطة ومنتخبون دورا كبيرا ، خصوصا خلال عملية الإحصاء التي تميزت بانتقائية كبيرة.

محمد السريدي (مراكش)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق