افتتاحية

عنف دبلوماسي

فضلت السعودية أسلوب التصعيد في أزمتها مع كندا، ولجأت إلى لغة التهديد والوعيد، دبلوماسيا وإعلاميا، وتفننت في صناعة التبريرات وتوجيه رسائل تفيد أن الرياض قطعت علاقتها بقيم وتقاليد “ضبط النفس والحكمة” في علاقاتها الدبلوماسية.
لم تكتف السعودية بطرد السفير الكندي، وتجميد العلاقات التجارية بين البلدين، وتعليق المنح الدراسية للطلبة، وإيقاف التعاون في برامج الطب، ونقل كل المرضى السعوديين من كندا… وغيرها من القرارات التي ستؤدي حتما، إلى مآس اجتماعية لمئات الشباب وأسرهم، بل سعت إلى سياسة النعامة وقصتها الشهيرة مع الرمال، حين ربطت قراراتها بالتدخل في شؤونها الداخلية.
كشفت الأزمة الحالية بين البلدين عن فرق شاسع، ربما تُقدر مسافته بسنوات ضوئية، بين الحكمة والتعقل، والانفعال والغضب، ففي الوقت الذي كان وزير الخارجية السعودية يتباهى بأن بلاده ترفض أي وساطة بين البلدين لأن “المملكة لن تقبل أي محاولة للتدخل في شؤونها”، معتبرا “الموقف الكندي المستغرب مبنيا على معلومات مضللة”، كانت وزيرة خارجية كندا تتحدث عن “الدفاع على الدوام عن الحقوق الإنسانية”، كما رفض رئيس الوزراء الكندي كل ضغوطات معارضيه بالتصعيد، واكتفى بالحديث عن أن بلاده ستواصل “التحدث بحزم وبوضوح” عن حقوق الإنسان، رافضا تقديم اعتذار للسعودية.
سلوك كندا وصفه المحللون بالمتعقل، فالدول تُقاس بقدرتها على الحد من الخسائر في الأزمات، لا صب الزيت على النار، والغضب السعودي على المطالبة بـ “الإفراج فورا” عن نشطاء في المجتمع المدني أوقفوا في إطار موجة جديدة من الاعتقالات، بمن فيهم الناشطة سمر بدوي شقيقة المدون المسجون رائف بدوي، ليس له ما يبرره، فمن بين المعتقلين من يحمل الجنسية الكندية، والقاعدة في العالم الغربي تقول: “الدفاع عن حقوق المواطن وكرامته فوق كل الاعتبارات السياسية”.
لم تغضب السعودية أو تحتج، حين تخصصت صحف أمريكية وبريطانية، واسعة الانتشار، في صب الزيت على نار الأزمة، وتحدثت بلغة أكثر عنفا عن الاعتقالات نفسها، ولم تطرد سفير أمريكا، قبل حوالي شهرين، بعدما صدر بيان لوزارة الخارجية الأمريكية يقول إن “واشنطن قلقة بشأن سجن واعتقال عدة ناشطين وناشطات في الرياض”، وإن “إدارة البيت الأبيض تتابع الأمر عن كثب”، كما لم تجمد علاقاتها مع بريطانيا التي أصدرت بيانا يشابه بيانات أمريكا، ولم تتذمر من تقارير منظمات تابعة للأمم المتحدة تحدثت عن الموضوع… فهل تفوقت سياسة “الكيل بمكيالين” لدى صناع القرار السعودي؟
لم يثبت، يوما، أن “العنف” الدبلوماسي يحقق الازدهار، ولم يسجل التاريخ أن قطع العلاقات يعيد الاعتبار لحكومة أو شعب ما، لكن قادة السعودية الجدد لم يستوعبوا أن العالم تغير، فعلا، وسياسة “الكيل بمكيالين” تفقدها “هيبتها” ومكانتها الاعتبارية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق