بانوراما

ناج من حبل المشنقة … “شـوف وسكـت”

بعد صدور حكم الإعدام، يصبح شبح حبل المشنقة يترصد أعناق المدانين، ويغدو صوت المفاتيح كابوسا مرعبا، تحبس معه أنفاس “منتظري الموت”، الذين أصبحوا تحت رحمة الجلاد.

في هذه السلسلة، تقربكم “الصباح” من الحياة داخل حي الإعدام بسجن القنيطرة، من خلال تجربة المعتقل السياسي السابق أحمد الحو، المحكوم بالإعدام سنة 1984 ضمن مجموعة “71”، والذي قضى 10 سنوات داخل حي الإعدام، ويروي لنا تفاصيل من اعتقاله وتعذيبه داخل معتقل درب مولاي الشريف، والحكم عليه بالمشنقة، ومن ملامح حياة حي الإعدام، وصولا إلى الإفراج عنه، الذي كان ولادة أخرى.
عصام الناصيري

الحلقة 4 … “شـوف وسكـت”

بعد الأحداث الاجتماعية التي وقعت في البيضاء في 1981، والجميع يعرف أنها خلفت أعدادا كبيرة من القتلى والمعطوبين، وأنا شاب عاش قرب تلك الأحداث في المحمدية، أعتقد أنه لا يمكن أن تمر بشكل عابر، إذ لم نستسغ الأمر أنا وبعض أصدقائي، إذ كنا نؤمن برفض الظلم و”الحكرة”، وبأن أقل ما يمكن أن تقدمه الدولة، اعتذارا على أفعالها، وأن تخلد ذكرى وفاة الشهداء، ولم نكن تابعين لتنظيم سياسي معين، لكن كنا أقرب إلى التيار الإسلامي، بحكم أن الشبيبة الإسلامية هي من كانت تشتغل في الميدان، لكنها لم تكن تؤثر على قراراتنا.

مرت سنتان على أحداث “الكوميرا”، وقررنا في 1983 أن نقوم بعمل غير مألوف، إذ جلبنا عددا من اللافتات وكتبنا عليها شعارات وعبارات خطيرة، تندد بدموية الدولة والنظام ودكتاتوريتها. ففي فترة الحسن الثاني كان معروفا أنه من لم يناضل في الشارع يناضل بالمنشورات والشعارات، وواجهت الدولة تلك الموجات بقمع شديد. وأجزم أن هذا العمل الذي قمنا به في الذكرى الثالثة لشهداء “الكوميرا” كان تحولا مفصليا في حياتي، لأنه خلصني من الخجل والانطواء على الذات الذي كنت غارقا فيه.

كنا مجموعة من الشباب، اشترينا الصباغة، وجلبنا اللافتات، وكان بيننا من يحترف الكتابة عليها، وبعد الانتهاء حملت واحدة على كتفي أزيد من 5 كيلومترات، لتعليقها في المكان المتفق عليه، بمعنى أنه لو كنا ننتمي لتنظيم سياسي سيوفر لنا اللوجيستيك، لكننا كنا مجرد تلاميذ لهم غيرة على وطنهم، كنت مثل من يحمل حزاما ناسفا، ولم يكن لدي المال حتى لركوب الحافلة، واخترنا التعليق وقت الإفطار، لأن الذكرى جاءت تزامنا مع رمضان.

نفذنا العملية كما خططنا لها، واختلطنا بالناس وأخذنا نلاحظ ردود أفعالهم، منهم من كان يقول “ناري هادشي خطير”، “شكون هادو”، وانتشرت الإشاعات حتى أصبح الناس يتحدثون عن ملثمين يركبون دراجات نارية ويلقون عبارة على كل من صادفوه وهي “شوف وسكت”، في اليوم الموالي أصبحت المحمدية تعج بالعسكر وجميع أصناف القوات العمومية، وكانت عناصر الأمن الوطني تحمل فطورها، وكانت على أعلى درجات التأهب، لكننا قررنا أن نعلق في اليوم الثاني من الذكرى أيضا، ونجونا مرات عديدة من أيدي الأمن.

فشلت الحيلة
مرت أيام بعد تعليق تلك اللافتات، وتوصلت باستدعاء من الأمن، رفقة عدد من تلاميذ الثانوية، إلا أني “دوخت” المحققين، لدرجة أنهم لم يحرروا لي محضر الاستماع، إذ اقتنعوا ببراءتي رغم أني العقل المدبر لها، وأخبرتهم أني كنت حينها اجتاز امتحان الباكلوريا، ومنشغلا بأحد التدريبات التطبيقية. مباشرة بعد ذلك، حزمت أمتعتي وذهبت إلى المخيم، لكن بعد عودتي وجدت الأمور قد تغيرت، أول ما ولجت منزلنا كان الكل ينظر إلي، ويسألونني “شنو درتي”، اكتشفت بعدها أنهم جاؤوا إلى البيت وزرعوا الرعب في أسرتي، واعتقلوا بعض أصدقائي، فقررت أن أسلم نفسي، لكن ذهبت إلى الشرطة بنية النكران، إلا أن الحيلة لم تنجح هذه المرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق