fbpx
بانوراما

قصص من تاريخ التعذيب … ضحية رصاصة طائشة

“الحذر لا يمنع القدر”، هذه الحكمة الشهيرة تنطبق على الناجين من سجون سنوات الرصاص، الذين حاولوا تفادي الاعتقال، غير أنهم وقعوا في قبضة “المخزن”. إنهم ضحايا الفأس التي ضربت يمينا وشمالا، ودشنت لمواجهات دموية، ساوت بين الشيوخ والقاصرين. روايات مرعبة حول التعذيب، وثقتها شهادات محتجزين عاشوا تجربة الاعتقال، تنوعت بين الصعق الكهربائي والكي بالنار والضرب بالعصي.
في هذه السلسلة، تنقل لكم “الصباح” حلقات ناجين من السجون، أفرغوا جعبتهم المليئة بالفظائع، إذ ضربوا بوحشية ولم يتلقوا العلاج، في حين مات البعض تحت وطأة التعذيب.

إعداد: مصطفى شاكري

قنزوز: غادرت السجن بإعاقة مازلت أعالج نفسي بسببها

أدعى محمد قنزوز، يلقبني أهل فاس بـ “مول القرطاسة”. أحد ضحايا أحداث 14 دجنبر 1990. كنت أبلغ من العمر 17 سنة، وأدرس بالسنة الثالثة إعدادي. كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحا، وقد اقتربت صلاة الجمعة، خرجت من “البراكة” التي أقطن فيها بحي “بنسودة” لألعب مع أصدقائي، لكنني وجدت الجيش والدرك يفتّشون المنازل، ويطلقون الرصاص الحي على الناس، لم أعرف أن الأمر يتعلق بمظاهرة تتعرض للقمع من قبل السلطات.

سرعان ما بدأت الفوضى تعم المكان، عناصر الأمن تطارد المتظاهرين، وأصوات الصراخ تعلو الحي بأكمله، فجأة سقطت على الأرض، وفقدت الوعي لدقائق معدودة، قبل أن أستعيد وعيي، وأجد نفسي مغطى بالدماء، لقد اخترقت رصاصة صدري. بعد مرور ساعة تقريبا، أتت شاحنة الجيش التي نقلتني إلى مقر الدرك رفقة بقية المصابين، بقيت هناك أربعة أيام، أتعرض للاستنطاق والتعذيب، رغم إصابتي البالغة، قبل أن ينقلوني إلى المستشفى المحلي، حيث أجرى لي أحد الأطباء عملية جراحية في القلب، بعدما أصبت بنزيف داخلي، بسبب تخثر الدم فوق رئتي.

بقيت في المستشفى شهرا ويومين، فإذا بعناصر الدرك تعتقلني وأنا مستلق فوق السرير، لم أتعاف بعد آنذاك. توجهنا إلى المحكمة، التي قضت بسجني سنة نافذة، لم أفهم شيئا، قلت للقاضي إنني أريد العودة إلى منزلي ومراجعة دروسي، غير أنه وجه إلي السباب والشتم، ومازلت أتذكر العبارة التي أجابني بها “سير تربا ليماك”. قضيت سنة كاملة في السجن المحلي “عين قادوس”، كنا 140 سجينا، ننام في غرفة واحدة، يصعب التنفس في تلك الظروف اللاإنسانية.

يضاف إلى ذلك، الطعام الوسخ والمليء بالأحجار الذي نتناوله يوميا، ما سبب لي مشاكل في المعدة، أعاني منها لحد الساعة، دون إغفال السب والشتم من قبل الحراس، والاستحمام مرة كل شهر بالماء البارد، ولكم أن تتصوروا ذلك في أيام الشتاء. إلى جانب فوضى الزيارات، إذ كان عدد الزائرين يفوق الستين، واضعين “كرياج” يفصلنا عنهم، ما يجعل السجناء لا يسمعون جيدا ما تقول أسرهم، ونضطر إلى الصراخ. أما قفة المؤونة التي تدخل إلى السجن، فإن نصفها يسرقه الحراس. خرجت من السجن بإعاقة جسدية، مازلت أتناول الأدوية بسببها، إذ أحس بألم في الصدر تصاحبه حرقة في القلب.

في 2004، سمعت بتعويض ضحايا سنوات الرصاص، من قبل هيأة الإنصاف والمصالحة، لذلك جمعت مختلف الوثائق اللازمة، مثل الشهادة المدرسية والشهادة الطبية ونسخة من الحكم الابتدائي، وغيرها من الوثائق التي جمعتها بمشقة الأنفس. التقيت بلجنة الهيأة، التي أطلعتها على جميع مراحل الاعتقال ومختلف المعطيات التي تهم الموضوع، فأكدوا لي بصريح العبارة أنني أستحق التعويض. مع توالي الشهور، كثرت الملفات على اللجنة، لذلك وضعوا أجلا لها، من دفع بعده لن يستفيد من التعويض، وقد حددوا أجل شهر فقط.

عدت مرة أخرى لأسأل عن الملف، فوجدت أن أعضاء اللجنة صنفوه على أنه “ملف عالق”، وكلما توجهت لأحد المسؤولين إلا ويجيبني أن الملفات من اختصاص جلالة الملك فقط. وقد خضت اعتصاما مفتوحا رفقة المقصيين من التعويض، أمام مقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان، اضطر معه محمد الصبار إلى التحاور معنا، بعدما كثرت الإغماءات في صفوف المعتصمين، لنوقع في الأخير وثيقة تنص على مساعدة الضحايا، لكن لم نر شيئا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى