fbpx
الصباح الـتـربـوي

مدرستي الحلـــــوة: مدرسة الصفاء… أول مؤسسة للتعليم الحر بالجديدة

تعود بي الذاكرة إلى أحد أيام شهر أكتوبر من سنة 1965، حين أخذني والدي، رحمة الله عليه، إلى مدرسة الصفاء الحسنية التي تقع بدرب البركاوي والتي ستكون، بالطبع، مدرستي الحلوة التي بدأت بها مساري الدراسي الذي سينتهي بالمدرسة العليا للأساتذة بالرباط.
في ذلك اليوم، وككل الأطفال، ما زلت أذكر حين تلقفنا معلم نحيف البنية يدعى الطنجاوي. كان يشبه كثيرا الكاتب محمد شكري، لم يكن يبتسم إلا لماما في حجرة درس نوافذها مفتوحة على شارع يحمل اسم عبد القادر بن دريكة، وهو شاب تصدى للاحتلال الفرنسي فسقط، في أحد أيام سنة 1953 إبان ثورة الملك والشعب، صريعا برصاصة من مسدس الفرنسي فاما الذي يذكر له أهل الجديدة تاريخه الحافل بالتنكيل بالمقاومين.
في اليوم الموالي لدخولنا مدرسة الصفاء الحسنية التي تأسست سنة 1946، كنا مذهولين، وكنا نكاد نقضي خوفا حين استقبلنا عند الباب الواقع على شارع محمد الخامس، شخص طويل القوام ببذلة أوربية وربطة عنق وشعر منسدل، مقطب الحاجبين، سنعرف في ما بعد أنه مدير المدرسة، محمد الكندوز، الذي سيديرها إلى غاية وفاته سنة 2005 ولمدة 40 سنة محطما الرقم القياسي الذي ظل صامدا إلى يوم الله هذا، فالرجل دأب، منذ عرفناه، خلفا لإدريس لمسفر، أول من يدخل المدرسة وآخر من يغادرها، يحرص على حضور الجميع بالهندام المدرسي المطلوب، وفي ما بعد، أدركنا أننا لسنا وحدنا من يخاف الرجل، بل حتى المعلمين كانوا يهابونه، أكثر من ذلك استطاع أن يجعلهم يتقمصون شخصيته التي لم يكن لها نظير.
في هذه المدرسة التي أدارها قبله إدريس لمسفر ومن بعده محمد الكنوز وحاليا محمد بعطوش، مر جيل من المدرسين منهم من لبى نداء ربه، ومنهم من ما زال على قيد الحياة، فالذاكرة، كما قال عبد الكبير الخطيبي، «موشومة» بأسماء الأستاذة ثريا وزوجها بوكديدة والطنجاوى والسي إبراهيم وفضيل والسعدية العنبري والمرحوم محمد الهبيري، الذي تحضرني بالمناسبة أنه في إحدى حصص الإعراب كان أحد التلاميذ أعرب كلمة على أنها نعت بينما الأمر يتعلق بحال، فما كان من الهبيري رحمة الله عليه إلا أن تسقط التلميذ أرضا و»ترقص» فوق جسده النحيل تحت إيقاع «الحال الحال أوا الحال أوا الحال»، بينما تولى بقية التلاميذ التصفيق على إيقاع الأستاذ ورقصته.
كانت المدرسة، التي خرجت أصلا من رحم الحركة الوطنية، مخلصة إلى حد كبير لمسلسل التعريب والمغربة الذي كانت بلادنا انخرطت فيه مباشرة بعيد الاستقلال للقطع مع جميع مخلفات المنظومة التربوية الاستعمارية، وما يؤكد ذلك أن أول مدير لها كان هو إدريس لمسفر، سليل عائلة لمسفرين التي جايلت عائلات استقلالية عريقة نظير عائلات قاسم العراقي والقادري والتازي والحاج عبد الله خالد يحيى وغيرها.
مازلت أذكر حرص هيأة التدريس على تشبع الأطفال باللغة العربية وقواعدها وتعلم الخط، وكانت أول مدرسة ابتدائية تخصص حيزا للتربية البدنية بتوفرها على ملعب لكرة السلة يستمر إلى حد الآن.
كان يحرس المدرسة «باعاقيل»، رجل طاعن في السن، تراه يدخن سيجارة «كازا» بشراهة، وبعد وفاته، خلفه شخص آخر لقب بأحمد فرس لأن له يدا يسرى تجيد تسديد لقم الكسكس إلى الفم، كما كان يجيد فرس تسجيل الأهداف بيسراه في شباك الخصوم، هذا الشخص يشهد له بالكفاءة في الأكل في كل الولائم التي تحتضنها الجديدة.
والمدرسة تستعد للاحتفاء بقرن على تأسيسها كأقدم مدرسة حرة بالجديدة، دون أن تشعر الزائر بأن طاولاتها كلت من تخريج أجيال من المثقفين والفاعلين في كل مجالات الحياة.

عبد الله غيتومي (الجديدة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى