fbpx
دوليات

عام على ربيع العرب

سايكس بيكو الثانية ستعود عبر الربيع العربي

أمران يجعلان التاريخ يسرع حتى يصبح الحال بين صباح ومساء أو بين غمضة عين وانتباهتها وكأنه صار أمرا آخر لا حلم به حالم، ولا عرفت بأمره عرافة، ولا جاء في تحليلات كتب، ونبوءات أصحاب البصيرة: الحرب والثورة ليس كمثلهما حدث أو أحداث تتغير بعدهما الدنيا ولا تبقى أبدا كما كانت. مضى عام على ما جرى ذكره باسم «الربيع العربي» الذي بدأت علاماته وسط الشتاء في رابع عشر يناير عندما انتهت الثورة في تونس بعد شهر من بدايتها لكي نرى مشهد الرئيس زين العابدين بن علي يفر بطائرة تاركا وطنا ظنه بات جزءا من تاريخه. وبعد ذلك جرى التاريخ بسرعة الضوء، ولفت أيام الشتاء بسرعة كبيرة لكي تجري فيها ثورات مصر وليبيا واليمن، حتى جاء وقت الربيع الحقيقي في 17 مارس لكي يخرج الناس في درعا معلنين أن الثورة وصلت إلى بلاد الشام.
تفجرت المنطقة العربية كلها، ومن لم يعرف الثورة جلس في انتظارها وهو يشاهد قلاقل وأحداثا واحتجاجات لا يعرف عما إذا كانت هذه هي الثورة فعلا أم أنها بعض من علاماتها، أم أن الأمر في الأول والآخر لا يزيد عن سراب صحراء خادع ومراوغ؟
جرى خلال عام واحد ما كان منتظرا أن يحدث في عقود، ولكن ما جرى لم يكن إلا محض بداية، ليس فقط بالنسبة إلى انتشار الثورات، وإنما لأن الثورات ذاتها باتت قضية تاريخية لا تسير أبدا في خط مستقيم؛ بل إنها بقدر ما حملت من أمل فإنها أظهرت نذرا بمستقبل لا يبدو حاملا لربيع أو زهور. تعقدت الحالات ما بين ثورات وصلت إلى نقطة الإطاحة بطاغية، وأخرى بدأت ما بات يسمى «المرحلة الانتقالية»، وثالثة تحاول أن تنأى بعيدا عن الثورة بإصلاحات لا تمس كثيرا جوهر النظام، ولكنها تكفي لكي تعطي الرضا لمن يريدون التغيير، ورابعة لا تزال تنتظر. ولكن أيا من الحالات الأربع لم يكن أبدا في وضع مريح، فقد التبست الأمور، وزاد التعقيد؛ بحيث استعصى طيلة الوقت على التبسيط والفهم، لأن الدولة، أو بعضا منها، بقيت كما كان الحال في تونس ومصر واليمن. وفي حالة مثل ليبيا لم تكن هناك دولة من الأصل بل نوع من الهياكل السياسية التي تهاوت حتى لم يجد الثوار ما يرتكنون إليه. وفي سوريا ظل الدم نازفا حتى بعد عام من الربيع، وعاش الشعب السوري وسط آلة عنف جهنمية في انتظار تحول الدولة أو انهيارها كلية.
وفي العموم كانت الدولة العربية تواجه واحدة من أقسى اختباراتها، ولم يكن مصير «الدولة» وحده في الميزان وإنما معه مصير الثورة التي سرعان ما وجدت نفسها ما بين شقي الرحى ما بين «المدني» و«الديني». وعلى أي الأحوال فقد بات الأمر كله في يد أحزاب وجماعات إسلامية باتت هي صاحبة القرار في التوليف ما بين كليهما، المدني والديني، في الدولة الجديدة. وربما كان سيكون الأمر سهلا أو يمكن التنبؤ به لو أن حركة الإخوان المسلمين، المنظمة للغاية وصاحبة التراث الممتد، هي التي تتصدر الساحة، ولكن واقع الحركات الإسلامية كان متعددا حينما ظهرت «الحركات» السلفية ومعها جماعات إسلامية وجهادية متنوعة. بل إن ما قيل عن أن الثورات العربية قد وضعت حدا لجماعة «القاعدة» واتجاهات أسامة بن لادن لأنها غيرت خلال شهور وأسابيع ما عجزت عن فعله الجماعة خلال عقد ونصف؛ كل ذلك ظهر خطؤه حينما عادت جماعات «القاعدة» لكي تدخل سيناء، وتجد لنفسها مكانا من جديد في المغرب، بينما وجودها في اليمن والصومال بات متجذرا، هذا غير بصمات وآثار أقدام في دول عربية مختلفة.
النتيجة هي أن الثورات التي بدأت على الطغيان، وجدت نفسها فجأة تواجه حقيقة هامة: إذا كانت الثورة من أجل الحرية، فلماذا لا تكون الحرية للجميع بما فيها الحق في الحكم الذاتي أو الدولة الفيدرالية أو حتى الاستقلال؟ المعادلة هنا مروعة، وهي كانت واحدة من أدوات الطغيان الذي ادعى أن لديه القدر للحفاظ على وحدة الدولة. وعندما طلب أهل برقة حكما ذاتيا أو دولة فيدرالية فإن ذكريات انفصال جنوب السودان بدت ماثلة وحاضرة حتى بدت لدى محللين منا كما لو كانت أشباح سايكس بيكو الثانية قادمة بيد الربيع العربي هذه المرة.

بقلم : عبد المنعم سعيد, كاتب مصري ورئيس مجلس إدارة الأهرام سابقا
(عن العربية نت)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى