fbpx
افتتاحية

صوت العقل

لا يمكن عزل الأحكام الابتدائية الصادرة في حق معتقلي حراك الريف عن سيرورة الأحداث بهذه المنطقة التي تفجرت بالموت المأساوي لبائع سمك، كما لا يمكن فصلها عن تفاعل الدولة من أعلى مستوياتها التي أمرت بإجراء تحقيق في أسباب التوتر الاجتماعي، وتحديد المسؤوليات في تعثر أهم المشاريع المبرمجة في إطار مخطط تنمية الحسيمة، وما تلا ذلك من قرارات غير مسبوقة بعزل وزراء ومسؤولين كبار.
ضمن هذه السيرورة، ينبغي أن ننظر (بكل ما يقتضيه المقام من هدوء وضبط للنفس) إلى الأحكام بالسجن في حق معتقلين من أبناء المنطقة توبعوا في ملفات مختلفة، وبعضها جنائي يتعلق بجرائم تخريب واعتداء على رجال أمن وتهديد استقرار وأمن المنطقة، وهي الوقائع التي أتيح لدفاع المتهمين، وللمتهمين أنفسهم، فرصة دحضها في أكثر من 90 جلسة محاكمة على مدى تسعة أشهر.
فنحن نقدر عاليا دموع الأمهات وردود أفعال الأقارب والأصدقاء والمتعاطفين، الذين هالتهم ما قد تبدو أحكاما قاسية في حق المعتقلين وصلت إلى حوالي ثلاثة قرون، لكن في الوقت نفسه ينبغي أن نحتكم إلى المستقبل، وأن ننظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس، ونعتبر ما يحدث اليوم تفاصيل مؤلمة لا بد منها في إطار البناء العام، واستكمال الورش الكبير للوطن بكل أبنائه وأحلامه وطموحاته.
إن الأحكام الصادرة، الثلاثاء الماضي، جاءت بعد مخاض عسير وعذابات مشتركة للجميع، وهي صادرة عن هيأة محكمة من الدرجة الأولى، حكم قضاتها، ليس بعلمهم بكل تأكيد، لكن بما توفر لهم من قناعات ووثائق ومستندات ودلائل، وبما راج من مرافعات داخل الجلسات، سواء من قبل ممثل النيابة العامة ومحامي الدولة، أو من قبل دفاع المتهمين.
وبهذه الصفة، لا يمكن أن تكون هذه الأحكام سوى بداية مرحلة في مسلسل من التقاضي المفتوح على درجات أخرى، منها الغرفة الجنائية الاستئنافية ومحكمة النقض وأشكال أخرى متاحة قانونيا، وكل ذلك في خدمة طي نهائي وسلس لهذا الملف، لإتاحة الفرصة للأهم: أي التفرغ إلى إنجاز مصالحة حقيقية بمناطق الريف واستكمال أوراش التنمية بها في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وإذا كان الأمر كذلك، فلن نستطيع فهم دواعي العودة إلى التوتر في المنطقة، عبر “الدعوة” إلى مسيرات ووقفات احتجاجية والاحتكاك بالقوات العمومية، أو عبر التحريض على “التصعيد” في مواقع التواصل الاجتماعي، ما يجعلنا نشك في وجود نوايا لإعادة الأمور إلى نقطة الصفر، وإنتاج سياق جديد من الفوضى والتسيب والتخريب ينتهي مرة أخرى باعتقالات ومحاكمات… وهلم مآسي وجروحا ودموعا.
فكما لا يمكن العبث بنزاهة القضاء واستقلاليته بأي شكل من أشكال التوجيه والتحكم لأغراض سياسية، أو تصفية حسابات، فلا يمكن، أيضا، التسامح مع زعزعة استقرار البلد وأمنه، وإتاحة الفرصة لأصحاب “الأجندات” بصب مزيد من الزيت على نار الفتنة والشغب تحت مسميات ومبررات مختلفة، وهي الأجندات التي ينساق إليها، للأسف، أغلب مستعملي شبكات التواصل الاجتماعي، بحسن نية، أو سوئها.
فلنحتكم إلى صوت العقل، بدل الأهواء والعواطف التي لم يثبت يوما أنها شيدت وطنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى