fbpx
ربورتاج

“آيت عطو”… تحت الصفر

السكان يعانون غياب الخدمات الصحية والتربوية ويشتكون العزلة

فوق علو ألفين و400 متر عن سطح البحر، يقع دوار “آيت عطو موسى”، على السفوح الجنوبية لجبال الأطلس الكبير، وهو آخر الدواوير الواقعة على حدود إقليم تنغير وميدلت، تحيط به جبال شامخة من كل جانب، ويخترقه واد يجري فيه مياه عذبة نقية، يعيش سكانه على أنشطة الرعي، والفلاحة المعيشية، التي يغذيها الوادي، غير أنهم يفتقدون إلى أبسط البنيات والمرافق وشروط العيش، ويعيشون تحت رحمة الظروف المناخية، إذ كلما تساقطت الثلوج، يعزلون عن العالم الخارجي، وتنقطع الطريق، وتتدهور أوضاعهم الصحية أكثر مما هي عليها. فيما يعاني الأطفال بعد المؤسسات التعليمية، إلا أن عشيرة “آيت عطو” لم تبق حبيسة تلك الجبال، ولم تستسلم لقسوة التضاريس والمناخ وسياسات بعض المسؤولين، بل استطاعت “الجماعة” أن تحقق عددا من المكاسب لأبناء الدوار، دون الركون إلى الشكوى والتباكي.

إنجاز: عصام الناصيري – تصوير: (عبد المجيد بزيوات) موفدا الصباح إلى “أيت عطو”

يقطع المتوجه إلى دوار “آيت عطو” التابع لقبيلة “آيت حديدو” المشهورة تاريخيا بنضالها ضد المستعمر الفرنسي، حوالي 150 كيلومترا من تنغير، متوغلا بين الجبال، مرورا على قيادة امسمرير، وعلى طول الطريق المعروفة بمنعرجاتها الخطيرة، التي تخترق الجبال، يصطف عدد من النزل السياحية، التي ينزل بها السياح، وقبل 6 كيلومترات من آيت عطو، يتعين على سكانه، قطع تلك المسافة في طريق غير معبدة تؤرق مستعملها.

احتضار الصحة
داخل غرفة من التابوت كان شيخ نحيل الجسد، ورث الثياب منزويا في الركن، وإلى جانبه امرأة عجوز، الغبار يعلو الفراش، فيما بعض الأواني مبعثرة في الجانب الآخر من الغرفة، مشهد يلخص وضع الصحة بدوار “آيت عطو”. هذان الزوجان يعانيان داخل هذه الغرفة منذ سنوات، إذ يتجاوز عمر الشيخ 90 عاما، ويعاني الشلل منذ عقود، أما الزوجة فتعاني العمى وعددا من الأمراض، غير أن غياب البنيات الصحية بالجماعة التربية “تلمي”، يجعلهما يصارعان الأمراض دون أخذ العلاجات.
تقول فاطمة، وهي ابنة العجوزين، وتعيش رفقتهما داخل غرفة التابوت، وتتكلف برعايتهما “نخاف أن تنهار هذه الغرفة على رؤوسنا”، مضيفة “أنا من يعيل أبواي رغم أني لا أعمل، أكتفي بجمع المساعدات من عند المحسنين لنعيش”. وأوضحت أنها تعاني الأمرين مع مرض والديها، خصوصا أن الدوار يبعد بأزيد من 150 كيلومترا عن تنغير، التي يمكن أن تجد بها طبيبا يكشف عن حالتهما، مشيرة إلى أن المستوصف الموجود بـ “امسمرير” غالبا ما يكون معطلا، وإذ فتح أبوابه فإنه لا توجد به سوى ممرضة، تتكلف بمنح المرضى بعض الأدوية المستعملة في الإسعافات الأولية.
ومن جانبه يقول حسن بن حدو، أستاذ التعليم الابتدائي، وأحد أبناء المنطقة، “إن الوضع الصحي بالدوار كارثي بجميع المقاييس” موضحا أن هناك مركزا صحيا وحيدا بجماعة “تلمي”، وتوجد به ممرضة، تحضر يوم السوق الأسبوعي فقط، وتقوم بتلقيح الأطفال، مؤكد أن أغلبهم لا يستفيدون من التلقيح، إذ لا تبادر الأسر بنقل أطفالها إلى تنغير أو ورزازات لهذا الغرض، بل ينتظرون قدوم إحدى القوافل الطبية، التي تأتي تطوعا إلى المنطقة.
ولعل أكبر متضرر من هذا الوضع الصحي المتدهور، النساء الحوامل، اللواتي يضطررن إلى وضع مواليدهن في المنزل والاستعانة بـ “القابلات”، بسبب بعد المستشفيات، ورعونة بعض المسؤولين والمنتخبين الذين يمنعون عنهن سيارة الإسعاف لمجرد عدم التصويت في الانتخابات.

مساعدات إماراتية
دأبت الإمارات العربية المتحدة على إرسال كميات من المساعدات الغذائية كل سنة إلى سكان “آيت عطو”، خصوصا بعدما تفجرت معاناة هذا الدوار المعزول وسط الجبال في إحدى الوسائل الإعلامية، فحجم الصعوبات التي تعيشها هاته الأسر، جعلته مشهورا بين الدواوير الأخرى، وأعطاه صيتا وطنيا، الأمر الذي دفع مجموعة من المؤسسات الوطنية والدولية إلى مد يد العون، قصد التخفيف من وطأة الحرمان والفاقة الذي تتخبط فيه “آيت عطو”.
بعد الشهرة التي اكتسبتها منطقة “آيت عطو”، أسس السكان جمعية، أطلقوا عليها جمعية “بويقولا” نسبة إلى منبع الوادي الذي يبث الحياة في الدوار، من أجل تقنين الاستفادة من الدعم والمساعدات. وصادفت “الصباح” عند حلولها بالمنطقة المساعدات الإماراتية الغذائية التي تدخل ضمن حملة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لإفطار الصائم، والتي بلغت حوالي 140 حصة، نالت كل أسرة حصتين، فيما وضع الباقي بمخزن تابع للجمعية.
ويسبق توزيع المساعدات الإماراتية عدد من الطقوس، التي دأب السكان على إحيائها كل مرة تصل فيها دوارهم، إذ يقومون بإخراج تلك الحصص من مخزن الجمعية، الذي وضعت به بالأمس، بعدما نقلت من تنغير على متن شاحنة، إلى ساحة وسط الدوار، التي تحتضن أغلب الأنشطة الجماعية التي يقوم بها السكان، إذ يجتمعون فيها خلال الاحتفالات ويؤدون فيها رقصات أحيدوس وغيرها. وبعد صلاة الظهر تحل “الجماعة” والفقيه بالساحة، التي كانت جنباتها مليئة بالنساء، والأطفال الصغار، والدواب التي جلبتها نساء الدوار لنقل تلك المواد الغذائية إلى منازلهن.

ورطة التعليم
يعاني التعليم في دوار “آيت عطو” موسى من الهدر المدرسي، خصوصا الفتيات، اللائي لا ينتقلن إلى المستوى الإعدادي، رغم تأكيد بعض الأطر التربوية التي تحدثت إليها “الصباح” على أنهن أكثر انضباطا من الشباب، ويحصلن على نقاط مميزة في المستوى الابتدائي.
يقول حسن بن حدو، “إن أكثر المشاكل التي يعانيها التعليم بالمنطقة انقطاع الفتيات عن الدراسة، ليس فقط في أيت عطو بل حتى في الدواوير المجاورة”، وأضاف المتحدث ذاته أنه قبل سنوات كان جميع التلاميذ يعانون الهدر المدرسي، قبل أن توفر جمعية “بويقولا” الناشطة في الدوار سيارة للنقل المدرسي تقل التلاميذ إلى الإعدادية، ورغم وجود نقل مدرسي إلا أن عدد التلاميذ الذين يدرسون من “آيت عطو” في المستوى الإعدادي لا يتجاوز 14 تلميذا، رغم أن عدد أسر الدوار يصل إلى 56 أسرة، ومتوسط أفرادها يتراوح بين 10 أشخاص و12 شخصا، حسب السكان المحليين. وتوجد بالدوار مدرسة من قسمين يدرس بها أطفال الدوار، ويديرها حسن بن حدو، فيما هناك أستاذ شاب يدرس التلاميذ، ولحسن حظهم أنه من أبناء المنطقة، ما يسهل عملية التواصل بينهم، وتدخل هذه الفرعية ضمن مجموعة مدارس” آيت علي ويكو”، وهي أكبر مجموعة ضمن إقليم تنغير، وتضم حوالي 800 تلميذ، بينهم حوالي 50 في المائة من الفتيات، حسب بن حدو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى