بانوراما

بنزكري… اليساري المتسامح

بـصــمـــات 5
ترك العديد من الأشخاص بصمتهم في تاريخ المغرب، سواء في السياسة أو الرياضة أو العمل الجمعوي أو الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان، “الصباح” تسلط من خلال هذه البورتريهات الضوء على أهم هذه الشخصيات…
بقدر ما كان بنزكري جذريا في أفكاره كان لطيفا وهادئا
يعتبر إدريس بنزكري، منارة مضيئة من منارات النضال الحقوقي في المغرب، وأحد الشموع التي احترقت من أجل أن تضيء الطريق نحو دولة الحق والقانون، ومعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
يقول جمال الشيشاوي، أحد رفاقه في السجن المركزي بالقنيطرة، والذي اقتسم معه تجربة الانتماء إلى اليسار الجديد. إن بنزكري يعتبر نموذج المناضل المتسامح، الذي يتميز بقوة الانصات والرغبة في التجديد والانفتاح، والبحث عن التوافقات الممكنة من أجل مصلحة الوطن، وهو الحالم بالتغيير.
ولذلك، فإن وفاته، يقول الشيشاوي، كانت بحق خسارة للوطن وللمشروع الذي انخرط فيه بكل تفان، في إطار تجربة الإنصاف والمصالحة، والذي بنى عليه “البام” مشروعه السياسي.
يتذكر الشيشاوي كيف أحس المناضل بنزكري بالرهبة والتردد، حين اقترح عليه تحمل المسؤولية على رأس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، كان ذلك في دجنبر 2003، حين كان رفقة عبد القادر الشاوي وإلياس العماري بإحدى المقاهي بساحة الجولان بالرباط، ليقرر غلق هاتفه، لأخذ وقت للتفكير. لم تكن الكفاءة ولا الخبرة الحقوقية الكافية تنقص المناضل الصلب، لكن كان خوفه أكبر من ألا يكون في مستوى المسؤولية والانتظارات الكبرى في معالجة ملف الانتهاكات الجسيمة.
بعد ساعات، أعاد إدريس تشغيل هاتفه، لتتصل به جهات عليا في الدولة تخبره بالقرار، ويعلن موافقته على تحمل المسؤولية، وهو العائد من تجربة 17 سنة وراء القضبان، ليصبح على رأس مؤسسة استشارية بقرار ملكي.
بقدر ما كان بنزكري جذريا في أفكاره، وثوريا في قناعاته، كان لطيفا وهادئا، يحسن الإنصات لمحاوريه، سواء كانوا من اليسار أو الإسلاميين أو من أطراف الدولة، وهي الخصال التي مكنته من فرض احترامه على الجميع.
كرس الراحل حياته للنضال من أجل التغيير الجذري، وبناء دولة الحق والقانون، وكان لأحداث مارس 1965 بالبيضاء أثر كبير في قناعاته السياسية، حيث سيلتحق بمنظمة “إلى الأمام” ذات التوجه الماركسي اللينيني في غشت 1970، ليكون ح
ضمن ضحايا الاعتقالات الأولى التي شملت اليسار الجديد، ليصدر في حقه حكم بالسجن النافذ لمدة 30 سنة.
لم تمنعه ظروف الاعتقال بالسجن المركزي بالقنيطرة من متابعة دراسته العليا بالمراسلة من داخل السجن، ليحصل على دبلوم الدراسات المعمقة في اللسانيات والآداب من كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط في 1983، ثم على دبلوم الدراسات المعمقة في اللسانيات من جامعة ايكس مرسيليا بفرنسا في 1987، ليتحول بعد إطلاق سراحه في 1991، إلى دراسة القانون، حيث سيحصل على الماجستير في تخصص القانون الدولي لحقوق الإنسان من جامعة اسيكس بأنجلترا في 1997
واصل بنزكري نضاله الحقوقي بعد الإفراج عنه في 1991 داخل المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، اقتناعا منه بأولوية النضال الحقوقي في تلك المرحلة، ليكرس حياته وجهده كاملا للفعل الحقوقي.
برحو بوزياني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق