حوادث

المجلس الأعلى للأمن

المؤسسة مغربية لكن تستفيد من تجارب الآخرين

(2/2)

بقلم:   عبد اللطيف الشامي  *

مهما يكن الأمر في شأن هذا البحث عن المجلس الأعلى للأمن المغربي، فإن المنطلق الأساسي لهذا المجلس هو أنه مغربي، وهذا ينفي عنه أن يكون مستوردا أو مستعارا، ولكنه لا ينفي عنه الاستفادة من تجارب الآخرين في تنظيم وتسيير مجالس الأمن في العالم خصوصا تلك التي لها تاريخ طويل في مثل هذه المجالس (أمريكا وفرنسا)، وهي تجارب غنية وثرية رغم اختلاف العوامل الجغرافية والسكانية والثقافية والروحية والسياسية والاقتصادية للمغرب المتميز عن غيره من الدول الأخرى.

من خلال قراءة  خاطفة لمجموعة من المجالس الأمنية في العالم، تبين لنا أن من بين دساتير 193 دولة في العالم، نجد أن عددا قليلا من الدول جعلت من مجالس الأمن مؤسسة دستورية والبعض الآخر اقتصر على مرسوم رئاسي كما هو الشأن بالنسبة إلى فرنسا.

وعلى الرغم من أن مجلس الأمن الفرنسي محدث  إثر مرسوم رئاسي، وغير منصوص عليه دستوريا، إلا أنه يستحق في نظرنا  قراءة متأنية تستحق التمحيص، إذا ما أضفنا إليه مجلس الأمن القومي الأمريكي.

فمجلس الأمن الفرنسي كان أول الأمر مجلس أمن داخليا تم خلقه  بمبادرة من الوزير الأول الفرنسي (جسكار ديستان) بعد أحداث خريف 1986 التي عرفتها فرنسا، هذا المجلس كان يجتمع تحت رئاسة الوزير الأول، ووزير الداخلية، ووزير الدفاع، ووزير الشؤون الخارجية، ومسؤولين من وزارتي العدل والمالية. غير أن هذا المجلس لم يجتمع إلا مرات قليلة بين 1993 إلى 1997، حيث أعطاه الوزير الفرنسي ليونيل جوسبان مرسوما رقم 97-1052 بتاريخ 18/11/97 الذي يحمل نواة تأسيس أو إعادة تهيئة مجلس الأمن الداخلي، والمنشور في الجريدة الرسمية الفرنسية بتاريخ 19 نونبر 1997 (الصفحة 16736)، فأصبح يجتمع تحت رئاسة الوزير الأول ويضم إلى عضويته وزير الداخلية، ووزير العدل، والمكلف بالجمارك، ويتم استدعاء كل شخصية أخرى يعتبر حضورها مفيدا لأشغال هذا المجلس، الذي يرجع له تحديد الأهداف والتوجهات العامة لسياسة الأمن الداخلي والسهر على التنسيق لعمل الوزراء، وعلى الوسائل المادية في ميدان الأمن  [ المادة الأولى من مرسوم رقم 97-1052 ]، وسيساهم المجلس في دعم وخلق و تطوير شرطة القرب.

وقد جعلت أحداث11 شتنبر 2011، الرئيس الفرنسي جاك شيراك يراجع محاولة تحسين تدبير الأزمات الرئيسية، وجعلته يعيد  مجلس الأمن الداخلي في شكله وتركيبته الجديدة والذي تم خلقه ابتداء من تاريخ 15 ماي 2002 بمرسوم وزاري، وتم عقد أول اجتماع له بتاريخ 24 ماي 2002، والجدير بالذكر أن مقرراته تبقى سرية .

وتتولى الكتابة العامة لمجلس الدفاع والأمن الوطني شخصية مستقلة معينة من قبل رئيس الدولة، بعد أن كانت من بين اختصاصات مدير ديوان الوزير الأول، تم تعيين والي الأمن السابق لباريس “فيليب ماسوني” الذي كان مكلفا بمهمة لدى رئيس الجمهورية، وتم تعيينه كاتبا عاما لمجلس الأمن الداخلي بمرسوم صدر بالجريدة الرسمية الفرنسية بتاريخ 19 ماي 2002 ، ومع نهاية 2009، فإن مرسوما رئاسيا سيدخل حيز التنفيذ وسيحمل مجلس الأمن الداخلي اسما جديدا هو مجلس الدفاع والأمن الوطني عن طريق المرسوم الرئاسي الفرنسي رقم 2009 / 1657 بتاريخ 24/12/ 2009 .

إننا لا نسعى إلى غاية تاريخية للمجلس الأعلى للأمن فقط، وإنما نهدف إلى الدلالة على أن مجلس الأعلى للأمن، سينتظم في سلسلة مترابطة الحلقات مع صدور القانون الداخلي.

وإذا كان البند 1122/4 قد حدد اجتماعات المجلس في ثلاثة أنواع : محدود (سري)، عام، متخصص، فإن البند 1112/5  قد أحدث منصب الكاتب العام لمجلس الدفاع الفرنسي الذي يتولى مهام كتابة المجلس  حدد له المرسوم الرئاسي مجموعة من الصلاحيات والمهمات التي يلزمه القيام بها ما يقتضيه حسن سير المجلس.

بالإضافة إلى منصب الكاتب العام بمجلس الدفاع والأمن الفرنسي، فقد حدد المرسوم الرئاسي في بنده 1122/6  منصب المنسق العام للاستعلامات الذي تقتصر مهمته على التنسيق بين مختلف الأجهزة خصوصا في الميدان الاستخباراتي، غير أن التساؤل المطروح، هل يمكن اعتبار  اللجنة الإستراتيجية لحماية أمن المعلومات السيادية والمنشورة بالجريدة الرسمية المغربية عدد 5987 بتاريخ 17/10/2011 بمثابة إجراءات  شبيهة بالنظام الفرنسي؟ أو على غرار وكالة الأمن القومي الأمريكي التي صارت وكالة فدرالية أمريكية مختصة بشؤون جمع المعلومات المرسلة عن طريق أنظمة الاتصالات المختلفة، وتحليلها بواسطة تقنية متقدمة.  وفي انتظار خروج القانون الداخلي للمجلس الأعلى للأمن، يمكن القول إنه كيفما كانت تسمية المنصب كاتبا عاما أو منسقا عاما، رغم عدم التنصيص عليه في الوثيقة الدستورية، فإن صاحبه سيلعب دورا محوريا وجوهريا في تنسيق العمل اليومي للمجلس الأعلى للأمن، وجميع مكوناته، ولا شك أن القانون الداخلي سيحدد اختصاصات المشرفين على المهام الإدارية بكل دقة متناهية دون تنازع في الاختصاص .                                             

* باحث في الشؤون الأمنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق