محاكمات الفساد المالي عجزت عن استرجاع الأموال المختلسة في كل مرة تقام الدنيا وتقعد على فضيحة اختلاس المال العام، وتبدأ محاكمات لمن يطلق عليهم رموز الفساد المالي في المؤسسات العمومية التي تعرضت للنهب، وتنتهي بأحكام سجنية، فيما تظل الأموال المختلسة بعيدة المنال، بسبب تداخل المسؤوليات وتعددها وعجز المساطر عن فرض استرجاع ما ضاع.في قضية السليماني ومن معه وقضية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وكريان سنطرال وقضايا الجماعات الحضرية والقروية، التي صدرت فيها أحكام، أو ما زالت تنتظر، بدا أن الأموال المنهوبة، أو التي أشارت إليها تقارير المجلس الأعلى للحسابات بأنها عرفت اختلالات وتعرضت للتبديد، صعبة الاسترجاع ما يطرح علامات كبيرة حول الجدوى من المحاكمات إن كانت تعجز عن إيجاد صيغة لاسترجاع ما تم تبديده أو اختلاسه.ومن الغرابة أيضا، أن تجري المحاكمات بعد مدة طويلة من وقوع تلك الاختلالات المالية، ففي كل تقرير نجد أن الافتحاص يشير إلى فترة ولت، ومرت عليها سنوات، إذ حينها فقط يتم اكتشاف أن الإدارة العامة الفلانية، عرفت في الفترة المتراوحة بين سنة (كذا) وسنة (كذا)، اختلالات مالية وتبديد نفقات بدون مبرر أو منح صفقات خيالية وغيرها من طرق صرف المال العام التي تتم تغطيتها قانونا، دون أن تنجز فيما خصصت له واقعيا.وفي بعض الحالات يختلط استغلال النفوذ بتهم الاختلاس، فيتوه المرء، لتحديد الشخص الذي قام فعلا بالاختلاس، ومن أعطاه الأمر، لنجد في بعض المحاكمات أن الأشخاص الذين تمت عمليات الاختلاس تحت أنظارهم أو بتعليمات منهم بعيدون عن القضبان، فيما يزج بالمقاولين والمتعاملين الآخرين في السجن تحت يافطة اختلاس أموال عمومية واستغلال النفوذ والمشاركة، علما أن الفاعلين الأصليين يظلون بعيدا عن المحاكمة.في قضية الفساد المالي بجماعة الخيايطة التابعة لإقليم سطات ونظيرتها بالجديدة، بدت الأمور أكثر تعقيدا، وزج بأشخاص في السجن شهورا قبل أن ينال البعض السراح إما بأحكام بالبراءة أو للمتابعة في حالة سراح، وتعم الضجة التي تتداولها الصحف كل أرجاء الوطن لتمتد إلى الخارج، فيما الأساس الذي من أجله انطلقت المحاكمة يبقى صعب المنال، وتبقى الأمور كما هي عليه.وتبدو جرائم الفساد المالي، سيفا يشهر فقط لتخويف المسؤولين، ووسيلة من وسائل الردع العام حتى لا تتكرر جرائم اختلاس المال العام، إذ ما معنى محاكمة لا تسترجع فيها الحقوق، سواء كان الضحية شخصا أو دولة؟ وما معنى قضاء أربع أو خمس سنوات سجنا، دون أن تتمكن الدولة من استرجاع الملايير التي نهبت؟سؤال آخر ظل غائبا، ومازال، في المحاكمات التي انتهت أو التي مازالت في طور الإنجاز، هو أين كانت أجهزة المراقبة التي تشتغل تحت يافطات لجان تفتيش أو المراقبة الآنية أو البعدية؟ ولماذا لم تكتشف الاختلالات والاختلاسات في حينها قبل أن تتفاقم؟ ثم كيف تستبعد من المسؤولية وهي تسأل حتى عن الخطأ المفترض!الجماعات قروية كانت أو حضرية، تخضع لسلطة الوصاية، وكل الصفقات والمعاملات تتم وجوبا عبر مصادقة العامل، بل إن السلطة المحلية يمكنها، من باب آليات المراقبة التي تمتلكها رفض مقرر جماعي وتعليل رفضها إلى حين تسوية أو تصحيح ما يشوبه، فكيف لا تسأل عن هذه السلطة التي خولها لها المشرع لحماية المال العام وطرق تدبيره!ربما أن وسائل المراقبة المعمول بها لم تمكن من حماية المال العام، وربما أيضا أن المحاكمات بدورها لم تف بالغرض المطلوب مادامت الأموال المختلسة صعبة الاسترداد، ما يدفع إلى التفكير الجدي في إيجاد وسائل بديلة للمراقبة، تكون آلياتها سريعة حتى لا تتفاقم المشاكل، ويكون هاجسها الأول والأخير، حماية المال لعام، وليس انتظار تراكم الاختلاسات لتقرير إحالة الملف على القضاء. المصطفى صفر